شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٨
خاتمة للقسم الثالث من كتاب الهداية في أحوال النشأة الآخرة للنفس الناطقة
و لما ذكر المصنف في آخر فنون هذا القسم وجود جواهر عقلية هي وسائط المبدأ الأعلى إلى المراتب المتأخرة البعيدة المناسبة للخير الأقصى و أسباب حصول كمالاتها الموجبة لقرب المناسبة من جهة الحركات و الاستعدادات فيها ينزل الوجود و يهبط إلى مرتبة النقص و الخسّة، كمرتبة الهيولى و الحركة و لأجلها يرتقي إلى ذروة الشرف و الكمال بعد أن يهبط منها حيث يعرج بعد طي مراتب الجماد و النبات و الحيوان إلى درجة العقل المستفاد المستضيء بنور الحق في المعاد. فكأن الوجود الفائض من الواجب عقلا ثم نفسا ثم جرما ثم عاد نفسا ثم عقلا كما في قوله تعالى:
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [١].
و ظاهر إن أشبه الموجودات في هذه السلسلة العودية بالعقول الإبداعية هي النفس الناطقة لوقوعها في آخر مراتب العود لكونها أشرف وجودا و أقوى تخلصا من الهيولى، إذ مراتب الشرف باعتبار مراتب البراءة عن القوة و الخسران اللذان مبدأهما الهيولى و الأبدان، فأراد أن يشير إلى أن لها وجودا أخرويا لا يحتاج فيه إلى البدن و أحوال أخرويّة سانحة عليها من ذاتها لأجل ملكاتها و أخلاقها المكتسبة لها من البدن و هيئاته بحسب النشأة الأولى.
و ذلك الوجود البقائي للنفس بعد بوار البدن يسمى بالنشأة الآخرة لها، فوضع ستة فصول للمباحث المتعلقة بوجودها و أحوال وجودها بعد الموت و فساد البدن سماها بالهدايا لكونها مما يزاح تبيين مقاصدها أوهام الجاحدين لثبوت المعاد من الذين انسلخوا عن الملة و الدين.
و مما يجب أن يعلم قبل الخوض في تلك المقاصد إن المعاد على ضربين:
[١] سورة السجدة، الآية: ٥.