شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦
و بالجملة لا بد لعروض القبلية و البعدية من أمر يكون عروضهما له لذاته إذ كل صفة يتصف بها شيء أو أشياء لا بالذات فلا بد لهما أن ينتهي إلى ما يتصف بها بالذات لاستحالة التسلسل [١]، و لا يجوز أن يكون المعروض بالذات للقبلية و البعدية أمور متفاصلة غير منقسمة يقتضي كل منها لذاته سبقا على لاحقه و لحوقا بسابقه إذ لو فرضنا متحركا يقطع بحركة مسافة يكون بين ابتداء حركته و انتهائها قبليات و بعديات متصرمة و متجددة [مطابقة لاجزاء المسافة فاذا تحقق قبليات و بعديات متصرفة و متجددة] على سبيل الاتصال و الانطباق لإجزاء المسافة فيجب أن يكون ما هو المعروض بالذات لتلك القبليات و البعديات أمرا لا يزال يتصرّم و يتجدّد على الاتصال بحيث يستحيل انفكاك التصرم و التجدد عنه و يكون جزء منه لذاته قبل و جزء منه لذاته بعد و يمتنع لذاته صيرورة القبل منه بعدا و البعد منه قبلا، و هذا هو المعني بالزمان.
و أما البرهان الثاني المناسب لمسلك الطبيعتين: فهو أحد مقاصد هذا الفصل الذي أشار إليه المصنف بقوله: إذا فرضنا حركة واقعة في مسافة على مقدار أي مرتبة من السرعة و ابتدأت معها حركة أخرى أبطأ منها فاتفقتا في الأخذ و الترك وجدت البطيئة قاطعة لمسافة أقل من مسافة السريعة و السريعة قاطعة لمسافة أكثر و ربما اتفقتا في أحدهما فقط فيتفق مقطوعاهما من المسافة، و إذا فرضنا معها أخرى على مرتبتها من السرعة و اتفقتا في الأخذ و الترك وجدتهما قاطعة لمقدار واحد من المسافة و إن ابتدأت إحداهما و لم تبتدئ الأخرى و لكن تركتا معا أو يكونان على عكس ذلك وجدت إحداهما تقطع مسافة أقل مما تقطع الأخرى، و إذا كان كذلك كان بين أخذ السريعة و تركها إمكان أي أمر محدود تسع [سبع] قطع مسافة معينة بسرعة معينة و أقل منها ببطء معين و ليس هذا نفس شيء من المسافة أو الحركة أو السرعة و البطء، فإن كل واحدة منها تختلف مع الاتفاق فيه و يتفق مع الاختلاف فيه.
و اعترض الإمام الرازي في «المباحث المشرقية» على هذا البرهان بأنه قد أخذ فيه السرعة و البطء المأخوذ في مفهوميهما الزمان و كون الحركتين معا في الأخذ أو الترك و ليست هذه المعية إلا المعية الزمانية التي لا يمكن إثباتها إلا بالزمان فقد اشتمل البيان على الدور.
و أجاب عنه بأن المطلوب بهذا البيان إثبات حقيقة الزمان على الوجه المخصوص
[١] كذا الظاهر من المخطوط.