شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤
طريان العدم عليها بالكلية، و كذلك إذا ثبت احتياج كل واحد من آحاد الإيجاد على شيء من الوجود لزم احتياج جميع الإيجادات إليه بالبيان المذكور، فإذا دار الاحتياج بين الطبيعتين على هذا الوجه أي يكون جميع أفراد كل منهما بحيث لا يشد عنهما شيء مفتقرا إلى فرد ما من الأخرى يلزم الدور المستحيل و بما ذكرناه يمكن تتميم دليل آخر له قدس سره في هذا السلك و هو قوله: ليس الموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ و إلا لزم تقدم الشيء على نفسه، و بذلك يثبت وجود الواجب بالذات كما لا يخفى بأدنى تأمل انتهى. و ذلك لأن الكلام عائد فيه أيضا كما مر سؤالا و جوابا.
و اعلم إن الشيخ الرئيس قد وصف طريقة الحكماء الإلهيين الذين يبرهنون على وجود الواجب من غير أخذهم في الاستدلال إمكان ما سواه أو الحدوث في الأجسام كما هو مسلك المتكلمين، أو الحركة كما هو طريقة الطبيعيين المشار إليهما في القرآن بقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [١] بأنه طريقة الصديقين الذين يستشهدون بالحق لا عليه، و هي التي أشير إليها في قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٢] و هم طائفة طريقتهم الاستدلال على ذات الباري تعالى بملاحظة مفهوم الوجود، و إنه يقتضي فردا واجبا بالذات. ثم بالنظر فيما يلزم الوجوب الذاتي على صفاته، ثم بالنظر إلى صفاته على كيفية صدور أفعاله واحدا بعد واحد من العقول المجردة أولا، ثم النفوس الفلكية ثانيا، ثم الأجسام الفلكية و البسائط العنصرية، ثم المركبات من الجماد و النبات و الحيوان. كل ذلك بلا ملاحظة الخلق في شيء من المراتب حتى أنهم لو لم يشاهدوا وجود العالم على هذا الوجه المحسوس لم يكن اعتقادهم في حق اللّه تعالى و صفاته و كليات أفعاله غير هذا الاعتقاد الذي هم عليه، و لا شك أن طريقتهم أشرف و أحكم من طريقة غيرهم كالمتكلمين المستدلين بحدوث الأجسام و أعراضها على وجود الخالق، ثم بأحوال الخليقة كالأحكام و التغيير على صفاته تعالى كالعلم و القدرة مثلا.
فانظر إلى هاتين المرتبتين من مراتب الأنظار بعين الاعتبار فإنهما متعاكستان
[١] سورة فصلت، الآية: ٥٣.
[٢] سورة فصلت، الآية: ٥٣.