شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٤
الآلات على عكس حال المحجوبين. و جميع ما ذكرنا لظهور سلطان الآخرة على بعض النفوس بوجه من الوجوه و هذا نموذج لمعرفة أحوال الآخرة لها، فإنها إذ انقطعت تعلقاتها بالبدن و خلّت لخراب البيت ارتحلت صارت حواسها الباطنية لإدراك أمور الآخرة أشد و أقوى. فيظهر لنا حسب اكتسابها في الدنيا من الأخلاق و الأعمال و الملكات و الصفات الكريمة أو الكريهة صور حسنة بهية كالجنّات و الأنهار و الحور و الغلمان و الحلل الفاخرة و التيجان المكللة بالياقوت و اللؤلؤ و المرجان، أو قبيحة مؤذية موحشة من العقارب و الحيّات و النيران و الحميم و الزّقوم و التصلية في الجحيم.
ثم اعلم إن إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيمة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل و روايات كثيرة متظافرة لأصحاب العصمة و الهداية غير قابلة للتأويل كقوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) [١]، فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٢]، أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) [٣] أمر ممكن غير مستحيل، فوجب التصديق بها لكونها من ضروريات الدين و إنكارها كفر مبين و لا استبعاد أيضا فيها، بل الاستبعاد و التعجب من تعلق النفس إليه من أول الأمر أظهر من تعجب عوده إليه، و لا يلزم أن يكون حدوث لياقته و استعداده لتعلقها مما يحصل له شيئا فشيئا و بلوغ قامته إلى كماله قليلا قليلا ككونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم طفلا إلى تمام الخلقة على حسب ما يقتضيه التوالد و التناسل، فإن ذلك نحو خاص من الحدوث، و الحدوث لا ينحصر للإنسان في هذا النحو، لجواز أن يتكوّن دفعة تاما كاملا لأجل خصوصية بعض الأزمنة و الأوقات و الأوضاع الفلكية يرجح إرادة اللّه تعالى في إيجاد الناس و تكوين أجسادهم دفعة واحدة و نفخ أرواحهم في أجسادهم المتكونة نفخة واحدة بتوسط بعض ملائكة اللّه، فردّ اللّه تعالى بواسطة واهب الصور تلك الصور إلى موادها لحصول المزاج الخاص مرة أخرى، كما يتكوّن ألوف كثيرة من أصناف الحيوانات كالذباب و غيرها في الصيف من العفونات مكونا دفعيا و لا يلزم أن يكون نحو التعلق
[١] سورة يس، الآيات: ٧٨- ٧٩.
[٢] سورة يس، الآية: ٥١.
[٣] سورة القيامة، الآيات: ٣- ٤.