شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٤
الوجود بذاته هو بعينه كونه مبدءا للوازمه، أي معقولاته، بل ما يصدر عنه إنما يصدر بعد وجوده وجودا تاما، و إنما يمتنع أن يكون ذاته محلا لأعراض ينفعل عنها أو يستكمل بها أو يتصف بها، بل كماله في أنه بحيث يصدر عنه هذه اللوازم لا في أنه يوجد له، فإذا وصف بأنه يعقل هذه الأمور فإنه يوصف به لأنه يصدر عنه هذه لا لأنه محلها انتهى.
و أما من استدعاء الكثرة في ذاته تعالى، فيما دفعها الشيخ في عدة مواضع من كتبه ك «التعليقات» و غيرها. إن هذه الكثرة إنما هي بعد الذات الأحدية بترتب سببي و مسببي لا زماني، فلا ينثلم بها وحدة الذات.
أقول: معناه إنه كما أن صدور الموجودات المتكثرة عنه تعالى لا يقدح في وحدته و بساطته لكونها صادرة على الترتيب العلي و المعلولي، و كذلك معقولاته المفصلة المتكثرة إنما ترتبت عنه على وجه لا ينسلم بها الوحدة الحقة فتلك الكثرة يرتقي إليه و يجتمع في واحد محض فهي مع كثرتها اشتملت عليها أحدية الذات إذ الترتيب مما يجمع الكثرة في واحد كما أشار إليه الفارابي في الفصوص.
بقوله: واجب الوجود مبدأ كل فيض و هو ظاهر على ذاته بذاته، فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه، فهو ينال الكل من ذاته، فعلمه بالكل بعد ذاته و علمه بذاته و يتخذ الكل بالنسبة إلى ذاته فهو الكل في وحدة.
و أما من استجاب كون المعلول الأول غير مباين لذاته، فإن أراد بعدم مباينته له تعالى حلول صورته في ذات الواجب تعالى، فهو عين محل الخلاف فلا يكون حجة على القائلين بكون العلم الرباني بالصور المرتكزة في ذاته و إن أراد به كون صورته عين الواجب بناء على أن صدور كل معلول عنه تعالى إنما هو متوسط صورته السابقة عليه، فلو لم يكن صورة المعلول الأول عين حقيقة الواجب لزم التسلسل في العلل و هو مستحيل. بيان ذلك إنه إذا كان كل صورة وجدت عنه تعالى لأنها عقلت فلا يخلو إما أن يكون قبل كل صورة عقلية صورة عقلية أخرى فالكلام كما قلنا، و إما أن لا يكون فكأنا قلنا: عقلت لأنها عقلت أو وجدت لأنها وجدت عنه و هو باطل.
فجوابه: ما وجد في كتب الشيخين أبي نصر و أبي علي من أن هذه الصور المعقولة نفس وجودها فيه نفس عقله لها لا تمايز بين الحالين و لا ترتب لأحدهما