شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥
و أما ثانيا: فلأن قوله: معنى الإمكان في المفارقات هو أنها ينعدم لو انعدمت علتها فاسد، بل الحق أن هذا المعنى تابع للإمكان لا أنه نفس الإمكان سواء كان في الإبداعيات أو في المكانيات.
و أما ثالثا: فلأن انعدام الشيء مع بقاء علته غير معقول، إذ الشيء يجب وجوده بوجود علته و يستحيل عدمه مع دوام علته، سواء كانت العلة بسيطة دائمة أو مركبة فاسدة، و لو دامت العلة المركبة لدام معها المعلول فترتب المعلول على علته غير متفاوت في الدائم و غير الدائم.
و ذكر شيخ الإشراق في «المطارحات»: إن أصلح ما يجاب به هاهنا أن القوة في الكائنات ليس معناه الإمكان الذي هو قسيم ضرورتي الوجود و العدم، و إن كان هذا الإمكان يقع بمعنى واحد على الدائم و غير الدائم، بل هذه هي القوة الاستعدادية التي لا تجتمع مع وجود الشيء و الأمور الدائمة لا يتقدمها استعداد أصلا.
أقول: هذا الجواب أيضا لا يحسم مادة الشبهة، إذ مبناها على أخذ الإمكان في الحجة المذكورة بالمعنى القسيم الوجوب و الامتناع، فإذا أخذ الإمكان بمعنى الكيفية الاستعدادية التي بها يناسب صدور بعض الحوادث دون غيرها عن جاعلها المتساوي النسبة بحسب ذاته إلى الجميع لم يكن إتمام الحجة على الوجه المذكور، بل الحق أن الإمكان المأخوذ في الحجة هو الإمكان الذاتي الذي يتصف به جميع المهيات، لكن الفرق بين المبدع و الكائن أن حامل الإمكان في المبدع هو مهيته باعتبار بعض الملاحظات العقلية التي تحلل بالعقل الموجود البسيط فيه إلى ماهية و وجود و يحكم عليها بالإمكان بخلاف الكائن، فإن حامل إمكانه قبل وجوده شيء آخر غير مهيته، فالإمكان في الجميع بمعنى واحد إلا أن تحققه في الكائن كاشف عن مادة سابقة و كيفية حاصلة فيها يطلق عليها الإمكان الاستعدادي بها يزول عدم مناسبة ذلك الكائن لصدوره عن المبدأ الفيّاض و تلك المناسبة حاصلة في الإبداعيات بحسب ذواتها من دون الاحتياج إلى أمر آخر يقربها إلى مبدعها، فهي بمجرد إمكاناتها الذاتية و وجود مبدأها الجواد صادرة عنه بخلاف الكوائن الفاسدة، فإن الإمكان الذاتي فيها غير كاف في صدورها، بل لا بد فيها معه من شيء آخر خارج عن ذواتها يلحق موادها و يقربها إلى فاعلها التام بعد كونها بعيدة المناسبة له و منها النقض بالامتناع و العدم، بأن يقال:
ما ذكره من عدم الفرق بين إمكانه [لا] و لا إمكان له لو كان صحيحا لكان جاريا في