شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٩
من جميع جهاته و الأولى أن يجعل كبرى القياس كل ما يمكن حصوله للمجرد، فهو واجب الحصول له بالفعل و يستدل على ثبوتها بأنه لو كان حصوله بالقوة لتوقف الحصول على استعداد مادة لقبوله، فيكون ماديا مع أنه مجرد. فثبت أن كل مجرد عالم بالكليات و هو الكبرى في القياس الأصل، و لو جعل المصنّف الكبرى هناك كل مجرد يمكنه أن يعقل سائر المعقولات لينتج القياس بعد إثبات هذه المقدمة الكبروية و أن الواجب يمكن أن يعقل سائر المعقولات.
و قال بعد ذلك: و كل ما يمكن للواجب بالإمكان يجب وجوده له إلى آخر الدليل لكان له وجها أيضا لكن على أي وجه كان لا بد في الدليل من مئونة إثبات المقدمة القائلة:
كل ما يمكن للمجرد فهو واجب التحقق له، فكلامه لا يخلو من تشويش و اضطراب.
و اعلم إن المصنف اختار في علم الواجب تعالى بالأشياء الكلية و الجزئية مذهب الحكماء القائلين: بارتسام صور الموجودات في ذاته تعالى، كالكسيمايس الملطي و أرسطاطاليس، و هو الظاهر من كلام الشيخين أبي نصر و أبي علي و تلميذه بهمنيار.
و بالجملة جمهور أتباع المعلم الأول من المشائين و تقريره على ما يستفاد من كتبهم، هو أن الصورة العقلية قد تؤخذ عن الصورة الموجودة كما يستفاد من السماء بالرصد و الحسّ صورتها المعقولة و قد لا يستفاد الصورة المعقولة من الموجودة، بل ربما يكون الأمر بالعكس من ذلك، كصورة بيت أبدعها البنّاء أولا في ذهنه ثم تصير تلك الصورة المعقولية علة محركة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج، فليست تلك الصورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت، و لما كانت نسبة جميع الأشياء الممكنة إلى اللّه تعالى نسبة المصنوع إلى النفس الصانعة لو كانت تامة الفاعلية، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس أفكارنا للأمور التي نستنبطها، ثم نوجدها في الخارج من حيث إن المعقول منها سبب للموجود. و الفرق بين الأمرين بأنّا لكوننا ناقصين في أفاعيلنا الاختيارية إلى انبعاث شوق و استخدام قوة محركة و استعمال آلة تحريكية من العضلات و الرباطات و غيرها ثم إلى انقياد مادة لقبول تلك الصورة و الأول تعالى لكونه تام الفاعلية لا يحتاج في فاعليته إلى أمر خارج عن ذاته إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [١] فإنه تعقل [يعقل] ذاته و ما يوجبه ذاته و بعلم من ذاته كيفية
[١] سورة يس، الآية: ٨٢.