شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٥١
و قيل: الصوفي كائن بائن أي النفس موجودة مجردة عن المادة إلى غير ذلك من مقالات هؤلاء الأكابر المجردين عن العلائق المتنزهين عن العوائق، و كلمات هؤلاء الأفاضل في قوة إفادة العلم القطعي بحقيقة النفس أشد و أشد من براهين أصحاب العقل، فإنهم شاهدوا عجائب أحوال النفس و ماهيتها و غرائب آثارها بذوق العيان دون مزاحمة البرهان، و لا تستحقر خطابات المتألهين و لا تظن أنها أقل نفعا في إفادة اليقين من براهين أصحاب البحث الصرف، كيف و البرهان معد و الواهب للعلم أمر سوي البرهان و مقدماته، فلا عجب أن يكفي للنفس بعض الإقناعية الخطابيات لأن يهب له المبدأ الفيّاض علما يقينيا.
و ثانيها: ما أشار بقوله و نقول أيضا: إن التعقّل- أي تعقّل النفس- ليس بآلة جسدانيّة و إلا لعرض لها الكلال كما يعرض لسائر القوى الجسمانية لضعف البدن عند كبر السن و ليس كذلك، لأن قوى البدن بعد الأربعين تأخذ في النقصان مع أن القوة العاقلة هناك تشرع في الكمال. و ما يعرض للشيخ الهرم من الخرافة ليس لضعف قوته العقلية بسبب ضعف البدن، بل لاستغراقها في تدبير البدن المشرف تركيبه إلى الانحلال، و لا شك أن الاستغراق في أمر مانع عن سائر التعقّلات و الحجة في قوة قياس استثنائي.
تاليها متصلة كلية موجبة استثنى فيه نقيض التالي و هو سالبة جزئية متصلة لينتج نقيض المقدم صورتها هكذا لو كان تعقل النفس بآلة جسدانية لكان كلما يعرض للآلة كلال يعرض لها في تعقلها كلال، لكن ليس كلما يعرض للآلة كلال، يعرض للنفس في تعقلها كلال ينتج أن تعقلها ليس بآلة بدنية و إذا قيل عليها إنه لو كان عدم كلال النفس في تعقلها مع كلال الآلة دالا على أن تعقلها ليس بالآلة لكان وجود كلالها في تعقلها مع كلال الآلة دالا على أن تعقلها بالآلة، لم يكن صحيحا، لأنه استثناء العين التالي و هو غير منتج، و توضيح هذا أن وجود الفعل لشيء في وقت معين يدل على كونه فاعلا مطلقا، و أما عدمه في وقت معين فلا يدل [على] كونه غير فاعل أصلا إذ ربما يعرض له مانع يشغله عن فعله بنفسه.
و ثالث الأحكام الثلاثة حدوث النفس كما قال و نقول أيضا: إن النفوس الناطقة حادثة مع حدوث الأبدان كما ذهب إليه المعلم الأول خلافا لأفلاطون و من تقدمه، فإنهم قائلون بقدمها و يناسب هذا المذهب ما ورد في الحديث النبوي من أن اللّه خلق