شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٨
أقول: إن ما ذكره يدل دلالة واضحة على أن هذا الجليل القدر ما تصوّر معنى الواحد الحقيقي و كونه مصدر الشيء، و إن مثله- كما قال الشيخ- فيمن ادعى إنه يتكلم بالمنطق مع قدوة الحكماء أرسطاطاليس، و هو واضعه. إن هذا الرجل يتمنطق على المشائين. فهو أيضا يتمنطق على مثل الشيخ الرئيس فاضل الفلاسفة أ ليس ذلك منه غيّا و ضلالا و حمقا و سفاهة؟ فإنّا قد قررنا أن المصدرية بالمعنى المذكور نفس ماهية العلة البسيطة، و الماهية من حيث هي ليست إلا هي. فإذا كان البسيط الحقيقي مصدرا لا مثلا و لما ليس (آ) كانت مصدرية لما ليس (آ) غير مصدرية (لا) التي هي نفس ذاته، فيكون ذاته غير ذاته.
قال العلامة الدواني في تتميم كلام الشيخ: إن صدور (لا آ) ليس صدور (آ) فهو لا صدور (آ) فما اتصف بصدور (لا آ) فقد اتصف بلا صدور (آ)، فإذا كان له حيثيتان جاز أن يكون متصفا من حيثية بصدور (آ) و من حيثية أخرى بلا صدوره من غير تناقض. و أما إذا لم يكن له إلا حيثية واحدة لم يصح أن يتصف بهما للزوم التناقض.
و تفصيله: إن اتصاف الشيء بأمر هو لا اتصافه بآخر، فهو من حيث الاتصاف بذلك الشيء لا يتصف بالآخر. فلا يجوز إجماعهما من حيثية واحدة و فيه بحث:
أما أولا: فلأن اجتماع النقيضين في ذات واحدة مستحيل، سواء كان من جهتين أو من جهة واحدة. و شروط التناقض و وحداته مشهورة و لم يشترط أحد في النقض كون الموضوع واحدا حقيقيا.
و أما ثانيا: فلانتقاضه باجتماع كل مفهوم من متخالفين كالسواد، و يحركه في موضوع واحد كالجسم من جهة واحدة لجريان خلاصة الدليل فيه. فيلزم كون الاتصاف بهما تناقضا و لم يقل به أحد.
و أما ثالثا: فلأن نقائض المعاني المصدرية و الروابط من المفهومات التي من شأنها الحمل على الذوات اشتقاقا لا مواطأة. إنما يعتبر بحسب هذا الحمل، فنقيض صدور الشيء عن العلة رفع صدوره عنها لا لإصداره [صدوره]، كما أن نقيض وجود الشيء أي كونه موجودا عدمه لا لا وجوده و إن كان كل من اللاصدور و اللاوجود نقيضا لنفس الصدور و الوجود، لكن لا يغير في اتصاف الموضوع لهما على هذا الوجه لأنهما ليسا بنقيضين بحسب الحمل المذكور.