شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٤
ما وراء هذه اللذات البهيمية لذّات أخر، و فوق هذه المراتب مراتب أخر كمالية يتوب عن اشتغاله بالمنهيات الشرعية و ينيب إلى اللّه تعالى بالتوجّه إليه فيشرع في ترك الفضول الدنياوية طلبا للكمالات الأخروية، و يعزم عزما تاما و يتوجه إلى السلوك إلى اللّه تعالى عن مقام نفسه فيهاجر مقامها و يقع في الغربة، ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن كل ما يعوقه عن مقصوده و يتقي عن كل خاطر رديء يرد في قلبه و يجعله مائلا إلى غير الحق، فيتصف بالورع و التقوى و الزهد الحقيقي ثم يحاسب نفسه دائما في أفعاله و أقواله و يجعلها متهما في كل ما يأمر به و إن كان أمرها بالعبادة لأن النفس مجبولة بمحبّة الشهوات فلا ينبغي أن يؤمن من مداخلها، فإنها من المظاهر الشيطانية.
فإذا خلص منها و صفا وقته و طاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب يتنوّر باطنه، فيظهر له لوامع أنوار الغيب و ينفتح له باب الملكوت، و يلوح منه لوائح مرة بعد أخرى، فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية فإذا ذاق شيئا منها يرغب في العزلة و الخلوة و الذكر و المواظبة على الطهارة التامة و العبادة و المراقبة و المحاسبة و يعرض عن المشاغل الحسيّة كلها و يفرغ القلب عن محبتها فيتوجه باطنه إلى اللّه الحق بالكلية فيظهر له الوجد و السكر و الوجدان و الشوق و العشق و الهيمان فيمحوه تارة بعد أخرى فيجعله فانيا عن نفسه، غافلا عنها، فيشاهد الحقائق السرية و الأنوار العينية فيتحقق في المشاهدة و المعاينة و المكاشفة، و يظهر له أنوار حقيقية تارة و يختفى أخرى حتى يتمكن و يتخلص من التلوين و تنزل عليه السكينة الروحانية و الطمأنينة الإلهية و يصير ورود هذه البوارق و الأحوال له ملكة، فيدخل في عوالم الجبروت و يشاهد العقول المجردة و الأنوار القاهرة و المدبرات الكلية من الملائكة المقربين و المهيمين في جمال اللّه من الكروبين و يتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان الأحدية و سواطع العظمة و الكبرياء الإلهية فيجعله هباء منثورا و يندك عنده جبال إنيته فيخر للّه خرورا و يتلاشى تعينه في التعين الذاتي و يضمحل وجوده في الوجود الإلهي و هذا مقام الفناء و المحو و هو نهاية السفر الأول للسالكين فإن بقي في الفناء و المحو و لم يجيء إلى البقاء و الصحو صار مستغرقا في عين الجمع، محجوبا بالحق عن الخلق لفنائه و ضيق الفاني عن كل شيء كما كان قبل الفناء محجوبا بالخلق عن الحق لضيق وعائه الوجودي و استغراقه و فنائه في البدن و قواه، فكذلك في هذه الحالة ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله و سبحات وجهه و ذاته فاضمحلت الكثرة في شهوده و احتجب التفصيل عن وجوده و ذلك هو الفوز العظيم.