شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٣
و الأجرام السماوية من الأفلاك و الكواكب و الكائنات العنصرية من البسائط و المركبات حتى تصير النفس بحيث يرتسم فيها صور جميع الموجودات من الواجب و الممكن على الترتيب الذي هو لها بحسب الواقع، فيكون عالما عقليا مضاهيا للعالم الخارجي كله، و أنت تعلم إن العالم عالم بصورته لا بمادته.
قال الشيخ: لا يمكنني أن أنصّ على المبلغ الذي بسببه يصير الإنسان سعيدا في العلم و يجاوز الحد الذي يقع في مثله الشقاوة و العلمية، و لكنه في كتاب «المباحثات»، اكتفى بالتفطن للمفارقات و في كتاب «الشفاء»، زعم على سبيل التقريب أن تتصور النفس المبادي المفارقة تصورا حقيقيا و تصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عندها بالبرهان، و يعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى و يتقرر عندها هيئة الكل و نسب أجزائه بعضها إلى بعض، و النظام الأخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه. و يتصور العناية و كيفياتها و يتحقق إن الذات المتقدمة للكل- أي وجود يخصها و أية وحدة تخصها- و إنها كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر و تغير بوجه من الوجوه، و كيف ترتيب نسبة الموجودات إليها، انتهى.
و أما الملائم لها من جهة القوة العملية، فهو أن يتسلّط على سائر القوى البدنية و يحصّل للنفس هيئة استعلائية قهرية على البدن و قواه، فإن انفعالها عن القوى و تأثرها عنها من شقاوتها و احتجابها عن الحق. و استعلائها عليها و عدم انقيادها لها من سعادتها و قربها منه، و ما دام في البدن لم يكن بد من استعمالها و مباشرتها فيستعملها بقدر الضرورة و الاحتياج و ليسلك بها سلوك التوسط بأن لا يكون فاجرا و لا خامدا في القوة الشهوية بل عفيفا، فإن العفّة توسّط الشهوة و لا يكون أيضا متهورا و لا جبانا، بل شجاعا بحسب القوة الغضبية، فإن الشجاعة توسط التهور و الجبانة. و كذلك لها حكمة في المعيشة و حسن التدبير في نفسه و فيما بينه و بين غيره سواء كان أهل منزلها أو أهل بلدها في المعاملات الشرعية أو في السياسات الملكية إن كان لها رتبة في السياسة.
و هذه الحكمة توسط في تدبير نفسه و غيره دون الجربزة و البلاهة، و هي غير الحكمة التي هي علم بحقائق الأمور، فإنها كلما كانت أشد إفراطا كانت أحسن بخلاف هذه.
و هذه الخصال الثلاث هي التي تسمى عدالة، فالعدالة من الأخلاق المركّبة و من اتصف بها و كان حكيما بالحكمة النظرية التي هي العلم بحقائق الأشياء فقد كمل