شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٣
انتهت إلى الغاية تصير مشاهدة لذلك الشيء. و جميع المعارف و الاعتقادات الحقة إذا ارتفع هذا الحجاب بالموت تنقلب مشاهدات. و يكون مشاهدة كل أحد على قدر معرفته، فالمعرفة بذر النظر و المشاهدة، بل هي بعينها حين رفع المحجب ينقلب مشاهدة. كما ينقلب التخيل إبصارا عند تغميض العين، بل بعد تكرار النظر إلى الشمس مثلا.
ثم اعلم إن النفس يصير في حال رجوعها إلى ذاتها من هذا العالم إدراكها للأشياء عين قدرتها عليها، و كلما كانت النفس أتم قوة و أقوى جوهر أو أقل مزاحمة و معاقة من قواها و أما لفتورها و ضعفها، كما للمجانين و المرضى. و لقوتها خيّرة كانت أو شريرة كما للأنبياء و الأولياء و الكهنة و المجذوبين. كانت ملاقاتها و مشاهدتها للصور أقوى و ترتب آثار الوجود إلذاذا و إيلاما عليها أكثر مع بقاء تعلقها بالدنيا و البدن. فإن النفوس القوية التي لا يشغلهم شأن عن شأن و لا يلهيهم موطن عن موطن و لا تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و تذكر الأمور الآخرة و هي كالمبادئ العالية ذاتا و فعلا يتقدرون على إيجاد أمورا مشاهدية و ربما يبلغ قوة نفوسهم إلى حد تسري في غيرهم يفيدون له قوة يقدر بها على مشاهدة الأمور الغيبية كإسماع النبي صلى اللّه عليه و سلم للخصار ذكر الحصي و الأحجار. و إن لم تكن هذه الحال دائمة لهم بحسب خواص الأوقات و التعلقات و ما يتبعها من الأحوال. كما روي عن النبي عليه آله السلام: «إن للّه في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها» و بالجملة لا يبعد أن يكون لبعض أفراد الناس نفس شريفة شديدة الاتصال بعالم القدس و أفق التأثير و الكمال، قليلة الالتفات إلى عالم الحس، قوية التلقي من عالم الغيب قليلة الانغماس في جانب المظاهر لا يشوشها الفكرة و لا يشغلها المحسوسات عن أفعالها الخاصة. و يحصل لذلك الإنسان في اليقظة أن يتصل بعالم الغيب و يتمثل له العقول المجردة و النفوس الكلية و الروحانيات و أمور الآخرة و يشاهدها مشاهدة صحيحة أتم من المشاهدات الدنياوية الناقصة لأجل كدورة المادة و ضعف الإدراك. فكدورة الشهوات و شواغل هذا القالب المظلم حجاب عن غاية المشاهدة كما قال اللّه تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [١] و ربما يشغل بعض المكاشفين صور ذلك الموطن عن مشاهدة صور هذا الموطن في اليقظة، و سلامة
[١] سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.