شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٢
واحد بقدر استعداده، فالمشغوف بالتقليد و المجمود على الصورة لم ينفتح له طريق الحقائق و لا يتمثل له هذه الصور. و العارفون المستصغرون بعالم الصور و اللذات المحسوسة ينفتح لهم من لطائف السرور و اللذات العقلية ما يليق بهم و يشفي مشربهم و شهوتهم. إذ حد الجنة إن فيها لكل امرئ ما يشتهيه، فإذا اختلفت الشهوات لم يبعد أن تختلف المعطيات و اللذات. و القدرة واسعة و القوة البشرية عن الإحاطة بعجائب القدرة قاصرة، و الرحمة الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملت أفهامهم، فيجب التصديق بما فهموه و الإقرار بما وراء منتهى العلم من أمور يليق بالكرام الإلهيين. انتهى قوله.
أقول: و هذا القولان من كلام هذين الشيخين أقرب ما رأينا من كلمات أئمة الحكمة و الكلام في باب توجيه المعاد الجسماني بالعقل و حاصلهما: إن النفس الناطقة لكونها من سنخ الملكوت و نتيجة عالم القدرة و القوة لها قدرة على اختراع الصور.
لكن الصور التي تخترعها حين تعلقها بهذا البدن الكثيف الظلماني المركب من الأضداد ليست إلا ضعيفة الوجود لا يترتب عليها الآثار الخارجية و لا تكون ثابتة أيضا، بل متغيرة لأن مظهرها قوة دائمة التحلل و الانتقال و التجدد و الزوال حسب اختلاف أمزجة محلها بسبب ما يرد عليه من المشوشات و المغيرات الخارجية و الداخلية. و كلما استراحت النفس من الأشغال الضرورية و الحركات اللازمة لحفظ هذا البدن المجتمع من الأمور المتنافرة المتداعية إلى الانفكاك، و تعطلت حواسها الظاهرة و احتبست عن استعمال النفس إياها إما بالنوم أو بتوجهها إلى الجنبة العالية بقوة في ذاتها، فطرية أو كسبية، اغتنمت الفرصة و رجعت إلى ذاتها. فأصبحت مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي هي في ذاتها بلا مشاركة البدن، فإن الإنسان في حالة النوم يبصر و يسمع و يذوق و يشم و يلمس مع إن حواسه الظاهرة معطلة عن الإدراكات. فعلم إن للنفس بصرا و سمعا و ذوقا و شمّا و لمسا في ذاتها من دون الحاجة فيها إلى البدن، بل هي أتم و أصفى من التي في البدن، و لو لم يكن هذه عائقة للنفس عن استعمالها إياها و كما إن حواس البدن كلها ترجع إلى حاسة واحدة و هي الحسّ المشترك، فجميع حواس النفس و قواها ترجع إلى قوة واحدة هي ذاتها النورية الفياضة، و الرؤية لم يسم الرؤية لأنها في العين. إذ لو خلقت في الجبهة أو من دون آلة جسماني لكانت رؤية أيضا، بل لأنها غاية المعرفة. و كل معرفة لشيء إذا