شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٣
و جوابه: بعد تسليم هذا الافتراء على هؤلاء العظماء القائلين بكون ذات الواجب تعالى من فرط الاختيار عين الاختيار، بل ذوات الأشياء الصادرة عنه معقولة له عين مرتبة من مراتب إرادته و رضاه كما عرفت. إن بحثهم عن كيفية وقوع الشرّ في هذا العالم الأجل أن الباري تعالى خير محض بسيط عندهم و لا يجوزون صدور الشرّ عما لا جهة شرية فيه أصلا، فيلزم عليهم في بادئ النظر ما ذهبت الثنوية لأجله إلى إثبات مبدأين أحدهما: مبدأ الخيرات و الآخر مبدأ الشرور.
فقالوا لإزالة هذه المفسدة: إن الصادر عنه تعالى ليس بشرّ، بل الصادر عنه إما ما يتبرأ بالكلية عن الشرور، و أما ما يلزمه شرّ قليل بالاتفاق و منبعه الهيولى التي منبعها الإمكان، و كلا القسمين من أفراد الخير، فيجب صدورهما عن الخير الحقيقي و غير ما ذكرنا من أقسام الشر غير موجود فلا يقتضي مبدأ أصلا كما قد تفاخر أرسطو بذلك الكلام في دفع شبهة التنويه.
قيل: لو كانت الشرور الواقعة في هذا العالم كالجهل و الكفر و أمثالهما بقضائه و قدره لوجب علينا الرضاء به لأن الرضا بما يريد اللّه واجب كما في الحديث القدسي: «من لم يرض بقضائي و لم يصبر على بلائي فليخرج من أرضي و سمائي، و ليعبد ربّا سوائي». و لا شك إن الرضا بالقبيح قبح كما ورد «الرضا بالرضا كفر» فكيف التوفيق بين هذان الحكمين؟.
و ما أجيب عنه على الفرق بين القضاء و المقتضى بأن الواجب الرضا بالقضاء لا بالمقضي، و الكفر و أمثاله مقضي لا قضاء و محصله أن الإنكار المتعلق بالمعاصي و القبائح إنما هو باعتبار المحل لا باعتبار الفاعل، فإن الاتصاف بالكفر منكر دون خلقها و إيجادها. و الرضا إنما يتعلق بإيجادها الذي هو فعل اللّه ليس بشيء لما علمت إن جميع الأشياء من مراتب قضائه لكونها معقولة له حاضرة إياه و إن الفرق بين القضاء و المقضي بالاعتبار، بل الحق في الجواب أن يفرق بين القضاء بالذات و بين القضاء بالعرض كما عرفت، فالمأمور به هو الرضا بالقضاء بالذات و هو الخيرات كلها.
و المنهى عنه هو الرضا بما يصحب القضاء بالذات على سبيل الاستجرار و اللزوم، و هي الشرور اللازمة للخيرات الكثيرة و هذه أيضا إذا لم يعتبر من هذه الحيثية، بل قصد إليها بالذات و بالقياس إلى هذا الشخص الجزئي الموصوف به.