شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٣
المرسومة فيها و الكليات المنتزعة عن تلك الجزئيات، إنما هي النفس الناطقة بنفس تلك الأمور لا بصور أخرى، و ذلك لاستقلالها و تجردها و لكونها من عالم الأمر و أفق التأثير و تسلطها على البدن، و قواه لكونها مؤثرة فيه بالتحريك و التربية و كلما كانت النفس أشد تجردا و أقوى سلطنة على البدن و قواها كان إدراكها أتم و حضور قواها عندها أشد و ظهور الصور الإدراكية لها أقوى، و لو كانت ذات سلطنة على غير بدنها كما على بدنها لأدركته أيضا بمجرد الإضافة الإشراقية القهرية من دون احتياجها إلى قبول صورته و الانفعال عنها، فالقبول من جهة النقص و القهر من جهة الشرف. و نحن إنما احتجنا إلى قبول الصورة في بعض الأشياء كالسماء و الكواكب و غيرهما لأن ذواتها غائبة عنا غير مقهورة لنا فاستحضرنا صورها حتى لو كانت هي حاضرة لنا كحضور آلاتنا لما احتجنا إلى صورة ذهنية، فإذا تحقق و تبين إن النفس غير غائبة عن ذاتها و لا قواها و لا الصور المتمثلة في قواها محجوبة عنها و لا بدنها الجرمي مختف عليها لكونها نورا لذاته قاهرا عليها، فالوجود البحت المتمجد الواجبي، إذ هو في أعلى مرتبة النورية و التجرد و التقدس عن شوب ما بالقوة و له إضافة الجاعلية التامة إلى ما سواه و له السلطنة العظمى و القهر الأتم و الجلال الأرفع، فلا جرم يعلم ذاته و يعلم العقول و الأجرام و قواها و يحل فيها و ما يتمثل لها بمجرد الإضافة المبدئية و الإحاطة الشهودية. فكما إن علمه بذاته لا يزيد على ذاته، كذلك علمه بالأشياء غير زائد على حضور ذواتها، و العقول القادسة و الذوات الجرمية سواسية الحضور لديه و المثول بين يديه بذواتها و أعيانها حضورا عقليا نوريا.
قال: و مما يدل على إن هذا القدر كاف في العلم، أن الإبصار إنما هو بمجرد إضافة ظهور الشيء للبصر مع عدم الحجاب، فإن الرؤية ليست بانطباع أشباح المقادير في الجليدية و لا بخروج الشعاع عنها كما بين في مقامه، فيلزم الاعتراف بأن الإبصار مجرد مقابلة المستنير للعضو الباصرة، فيقع به إشراق حضوري للنفس لا غير، فإذن إضافته تعالى لكل ظاهر إبصار و إدراك و تعدد الإضافات لا يوجب تكثرا في ذاته، و كذا تجددها لا يوجب تغيرا في ذاته كما مر لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ [١].
فهذه هي طريقة الشيخ الإلهي في مسألة العلم، و لا يخفى على الأذكياء وثاقتها
[١] سورة سبأ، الآية: ٣.