شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٣
بعض المعلولات على حسب ما يقصده قاصد كحصول الصحة من قصد الطبيب في معالجة شخص و تدبيره إياه لحصول صحته، فقد استفيدت الصحة من قصده إياها و كونها غرضا له في تدبيره.
قلت: قصد الطبيب و غرضه ليس مفيدا لصحته، بل إنما يفيدها مبدأ أجلّ من الطبيب و قصده و هو واهب الخيرات على المواد حين استعدادها و القصد مطلقا يهيئ المادة لا غير و المفيد دائما أرفع من القاصد، فالقاصد يكون فاعلا بالعرض لا بالذات فإن قلت: كثيرا ما يقع القصد إلى ما هو أخس من القاصد.
قلت: نعم، و لكنه إما على سبيل الغلط و الخطأ و إما لأن الفاعل و إن كان في ذاته جوهرا رفيعا أشرف مما قصده و لكن بحسب مخالطته المواد و قواها التي هي في الحقيقة توجب القصد إلى الغرض الخسيس يكون المقصود أشرف منه.
فإن قلت: إذا لم يكن للواجب غرض في الممكنات و قصد إلى منافعها، فكيف حصل منه الوجود على غاية من الاتقان و نهاية من التدبير و الأحكام؟ و ليس لأحد إنكار الآثار العجيبة و المنافع الحسنة الحاصلة في أجزاء العالم على وجه يترتب عليها المصالح و الحكم، كما يظهر بالتأمل في آيات الآفاق و الأنفس و منافعها التي بعضها بينة و بعضها مبيّتة، و قد اشتملت عليها المجلدات كوجود الحاسة للإحساس و مقدم الدماغ للتخيل و وسطه للتفكر و مؤخره للتذكر و الحنجرة للصوت و الخيشوم للاستنشاق و الأسنان للمضغ و الرّية للتنفس و البدن للنفس و النفس لمعرفة الباري جلّ ذكره إلى غير ذلك من منافع حركات الأفلاك و أوضاع مناطقها و منافع الكواكب سيّما الشمس و القمر مما لا يفي بذكره الألسنة و الأوراق.
قلت: الواجب تعالى و إن لم يكن في فعله غير ذاته و لا لميته مصلحية من المنافع و المصالح التي تعلمه، أو لا تعلمه، و هو أكثر بكثير مما نعلمه لكن ذاته ذات لا يحصل منه الأشياء إلا على أتم ما ينبغي و أبلغ ما يمكن من المصالح سواء كانت ضرورية كوجود العقل للإنسان و وجود النبي للأمة أو غير ضرورية و لكنها مستحسنة كإنبات الشعر على الحاجبان و تقصير الأخمص من القدمين، و مع ذلك فإنه عالم بكل خفي و جلي لا يغرب عن علمه شيء كما سيجيء، كيف و عناية كل علة لما بعدها فما مر سبيلها هذا السبيل من أنها لا يجوز أن يعمل عملا لما دونها إلا أن تستكمل