شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٥
المقصود من الاستدلال إثبات تعدد مبدأ القبول و الحفظ من جهة افتراقهما لإمكان تحقق القبول بدون الحفظ، كما في الماء و الهواء و بالعكس كما إذا عرض آفة لمقدم البطن المقدم لا يدرك الإنسان صورة ما، فإذا زال المرض و استحضر الصور التي كان قبل تحفظها علم جزما أن قوة الإدراك غير قوة الحفظ و عن النقض بالحسّ المشترك و النفس بأن الواحد قد يصدر عنه الكثير إذا كان الصادر بالقصد الأول شيئا واحدا ثم يتكثر بقصد ثان، أو كانت وجود الصدورات مختلفة، فالصادر عن الحس المشترك هو استثبات الصور المادية عند غيبة المادة. ثم يصير مستثبتا للألوان و الأصوات و الطعوم و غيرها بقصد ثان، و ذلك لانقسام تلك الصور و ذلك كالإبصار الذي فعله إدراك اللون، ثم أنه يصير مدركا للضدين لكون اللون مشتملا عليها. و أما النفس فإنما يتكثّر فعلها لتكثّر وجوه الصدورات عنها.
أقول: و أنت تعلم أن مفهوم الصورة المحسوسة أمر مبهم لا يتحصّل إلا بصورة معينة و الصادر عن الشيء أولا لا يكون إلا أمرا متعينا، فكيف يكون الحسّ المشترك مبدءا لأمر واحد أولا و لأمور متكثرة ثانيا و بالواسطة، فكيف يكون تحصّل ما يصدر منه أولا أضعف من ما يصدر عنه بواسطته، بل الأولى أن يجاب عن النقض بذلك أما بما يجاب عن النقض بالنفس أو بأن الإدراكات انفعالات و يجوز أن يكون في مادة واحدة انفعالات كثيرة عن مبادي متعددة، و الذي عندهم أن الواحد لا يصدر عنه إلا فعلا واحدا لا أنه لا ينفعل إلا انفعالا واحدا على أن بناء أصل الاستدلال على تغاير القوى ليس على مجرد أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد لعدم جريانه إلا في الواحد الحقيقي، بل على ما مرّ من بقاء بعض منها مع زوال أخرى، فالنقض ساقط رأسا و لهذا عبر المحقق عنه بالمعارضة، و صاحب «المحاكمات» لذهوله عن ما ذكرناه أورد على المحقق وجوها من البحث يتكفّل كلامنا بدفعها كما يظهر بالتأمّل اللائق على الوجه الأخير، بأن تجويز الحصول في الحافظة حالة الذهول يقتضي القول بأن الإدراك ليس هو حصول الصورة في المدرك بل أمر وراءه، و على ذلك التقدير يحتمل أن تكون الصورة حاصلة في الحس المشترك دائما و الاستحضار موقوف على ذلك الأمر و أيضا القوة العاقلة ليست لها حافظة مع أنها تستحضر و تذهل من غير نسيان و نسي، فإن قلتم: حافظها العقل الفعال، فليكن هو حافظ الحسّ المشترك أيضا.
و أجاب المحقق: بأن الإدراك حصول الصورة للمدرك لحصوله في الآلة و الصورة