شرح الهداية الأثيرية - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٥
الماء فإن تصور المخروط الواصل بين الرائي و المرئي و حالاته من الاستقامة و الانعكاس و الانعطاف مشترك الاعتبار بين المذاهب الثلاثة التي هي الانطباع و الشعاع و الإضافة الإشراقية، و لأجل ذلك ذهب المعلم الثاني في مقالته في الجمع بين الرأيين- أي رأي أفلاطون و أرسطو- إلى أن غرض كل منهما التنبيه على هذه الحالة الإدراكية و ضبطها بضرب من التشبيه لا حقيقة خروج الشعاع و لا حقيقة الانطباع، و إنما اضطر إلى إطلاق اللفظين لضيق العبارة، و هذا الكلام عنه دال على أن المختار عنده: أن الإبصار إنما هو بمجرد الإضافة إشراقية بين النفس و المبصر مشروطة بالمقابلة و ارتفاع الموانع و منها الشم و هي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة. و قيل: تتبخر أجزاء لطيفة من ذي الرائحة مختلطة بالهواء و تصل معه إلى الخيشوم، و قيل: يفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء و لا تبخر و انفصال أجزاء، و ردّ الثاني: بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة و كثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه و حجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة و يحرق و يفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة، و يؤيد ذلك ما قد حكي أرسطو أن الرخمة قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين، و دلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرحمة في تلك الأرض إلا في نحو هذا الحد من المسافة. و قد يقال: لعل المتحلّل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الأجزاء الهوائية و الاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية. على أن الشيخ اعترض عليه في «الشفا» بقوله: يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجوّ العالي، انتهى.
و بيان ما ذكره أن الأبعاد يرى من المواضع البعيدة أقصر، فإن كل مرئي واقع في سطح يرتفع عنه البصر فإنه يرى أقرب إذا صار البصر أرفع، فليكن السطح (أ ب) و المرئي (ب) و البصر و هو (ه) مرتفع عنه بقدر (أ ج) فيقول: أن (أ ب) يرى أقرب من (أ) موقع العمود الخارج من البصر إلى السطح إذا صار (ا ه) بقدر (ا د) لأن زاوية (أ ب د) أعظم من زاوية (ا ب ج) و زاوية (أ) بحاله فتكون زاوية (أ ج ب) أعظم من زاوية (أ د ب) و أيضا زاوية (أ ج ب) خارجة عن مثلث (د ح ب) و له وجود آخر.
و اعلم أن القوم حكموا بأن إدراك الشامة لا يتوقف على مماسة ذي الرائحة،