ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٤٩ - الباب التاسع عشر الجوابات المسكتة، و رشقات اللسان و ما يجري من الاستدراك و الاعتراض، و التبكيت، و المماراة، و اللجاج، و الجدل
قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا [١] الآية، فقال عبد الملك: أ في عبد اللّه تكلمني؟و قد دخل علي فما أقام لسانه لحنا، فقال خالد: أ فعلى الوليد تعول؟فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان، فقال خالد: و إن كان عبد اللّه يلحن فإن أخاه خالد، فقال عبد الملك: اسكت فو اللّه ما تعد في العير و لا في النفير [٢] ، فقال خالد: ويحك من في العير و النفير غير جدي أبو سفيان صاحب العير، و عتبة بن ربيعة [٣] صاحب النفير؟و لكن لو قلت: غنيمات و حبيلات و الطائف و رحم اللّه عثمان، قلنا: صدقت.
و ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أطرد الحكم بن أبي العاص، و هو جد عبد الملك، فلجأ إلى الطائف، فكان يرعى غنيمات، و يأوي إلى حبلة و هي الكرمة، ثم رده عثمان حين أفضت الخلافة إليه.
١٠-شهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه، فقال معاوية: كذبت، فقال: الكاذب و اللّه متزمل [٤] في ثيابك. فقال معاوية و تبسم: هذا جزاء من عجل.
[١] من سورة الإسراء، الآية: ١٦.
[٢] العير: القافلة، و قيل: الإبل التي تحمل الميرة لا واحد لها من لفظها. و النفير:
الجماعة من الناس. و نفير قريش: الذين كانوا نفروا إلى بدر ليمنعوا عير أبي سفيان. و قوله: ما تعد في العير و لا في النفير: قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، و ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما هاجر إلى المدينة و نهض منها لتلقّي عير قريش سمع مشركو قريش بذلك فنهضوا و لقوه ببدر ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم ما كان، و لم يكن تخلّف عن العير و القتال إلاّ زمن أو من لا خير فيه، فكانوا يقولون لمن لا يستصلحونه لمهمّ: فلان لا في العير و لا في النفير.
فالعير ما كان منهم مع أبي سفيان، و النفير ما كان منهم مع عتبة بن ربيعة قائدهم يوم بدر.
[٣] عتبة بن ربيعة: هو والد هند أم معاوية بن أبي سفيان، كان أحد سادات قريش في الجاهلية و كان خطيبا موصوفا بالرأي و الحلم و هو الذي توسط في حرب الفجار بين هوازن و كنانة و أرضى الفريقين. قتل في وقعة بدر سنة ٢ هـ. راجع ترجمته في الروض الأنف ١: ١٢١ و رغبة الآمل ٢: ٢٠٥ و نسب قريش ١٥٢.
[٤] المتزمّل: الملفّف بثيابه. يكنّى به عن المقصّر المتهاون.