ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٤٨٢
١٤١-و عن مولى لعمر بن عتبة [١] : كنت وصيفا فأسلمني في المكتب، فلما حذقت و تأدبت ألزمني خدمته و اعتقني، فصاح يوما يا أبا يزيد، فالتفت انظر من يعني، فقال لي: إياك أعني، ثم قال: يا معشر قريش لا تدعوه باسمه. و قال لي: إنك أمس كنت لي و أنت اليوم مني.
و الذي دعاهم إلى التكنية الإجلال عن التصريح بالاسم بالكناية عنه، و نظيره العدول عن فعل إلى فعل في نحو قوله تعالى: وَ غِيضَ اَلْمََاءُ وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ [٢] ، و قول الكتاب أمر بكذا و نهي عن كذا.
١٤٢-و معنى كنيته بكذا سميته به على قصد الإخفاء و التورية، و كنى و كمى أخوان في إعطاء معنى الإخفاء، و كذلك كنى عنه بمعنى ترجم عنه على وجه الإخفاء. أ لا ترى إلى قولهم روى عنه ثم ترقوا عن الكنى إلى الألقاب الحسنة التي هي أضداد ما يتنابز به مما نهى اللّه عنه و سماه فسوقا.
فقلّ من المشاهير في الجاهلية و الإسلام من ليس له لقب، و لم تزل في الأمم كلها من العرب و العجم تجري في المخاطبات و المكاتبات من غير نكير، غير أنها كانت تطلق على حسب استحقاق الموسومين بها.
-و أما ما استحدث من تلقيب السفلة بالألقاب العليّة، حتى زال التفاضل، و ذهب التفاوت، و انقلبت الضعة و الشرف، و الفضل و النقص، شرعا واحدا فمنكر، وهب أن العذر مبسوط في ذلك، فما العذر في تلقيب من ليس في الدين بقبيل و لا دبير، و لا له فيه ناقة و لا جمل، بل هو محتو على ما يضاد الدين و ينافيه، بجمال الدين و شرف الإسلام؟هي لعمر اللّه الغصة التي لا تساغ، و الغبن الذي يتناثر الصبر دونه. نسأل اللّه إعزاز دينه، و إعلاء كلمته، و أن يصلح فاسدنا، و يوقظ غافلنا.
[١] عمر بن عتبة: لم نقف له على ترجمة.
[٢] سورة هود من الآية: ٤٤.