شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٣ - المشهد العاشر فى انه تعالى ذكر العقلاء الكاملين فى القرآن باجود ما يذكر به شيء و نعتهم باحسن النعوت و السمات
العائد الى العبد نفسه الدالة على غاية الاختصاص.
و قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، كأنه بيان لقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ ... الى آخره و دال على ان منشأ هذه الخصال المحمودة هو العلم اليقينى لا غير، اذ لا شبهة ان فى الكلام حذفا و التقدير: أم من هو قانت كغيره؟ و انما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم.
قال الزمخشرى: اراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم و هم العاملون، فالذين لا يعلمون، الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتون هم العلماء و هو تنبيه على ان من لا يعمل فهو ليس بعالم.
اقول: المقصود الاصلى من هذه الآية ليس الحث على مجرد العمل و المبالغة فيه، بل شرف العلم و فضيلته و فضل العالم على الجاهل بحيث يرتفع به المماثلة النوعية بينهما، و لهذا ذكر من الاعمال ما لا ينبعث الا عن حاق مرتبة العلم و صفة الاخلاص القلبى من المواظبة الدائمة و الخوف و الرجاء و الرهبة و الرغبة ليظهر ان من هذه صفته و فعله اللازم فهو ليس كمن هو على ضدها.
ثم اشير الى ان منشأ هذين المتقابلين من الصفات و الآثار المحسوسة فى هذا العالم صفتان متقابلتان فى عالم الباطن لما مر من ان اختلاف الآثار يدل على اختلاف منشأها و مبدأها فكأنه اريد به اثبات معقول بمحسوس على ما هو طريق التمثيل ثم قال:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ، و له معنيان:
احدهما هو المشهور، يعنى ان هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء و الجهال لا يعرفه أيضا الا أولو الالباب.
اقول: و ذلك لان اختلاف الآثار و الافعال و ان دل على اختلاف المبادى و الاحوال لكن دلالة الاثر على المؤثر بخصوصه دلالة ظنية غير قطعية لا يحصل بها الاكتناه بحقيقة المؤثر، فالمعرفة التامة بحقيقة العلم و التفاوت العظيم الّذي بينه و بين مقابله لا يحصل الا لمن هو عالم بالفعل و كان جاهلا وقتا ما، فعلمه بهما و بالتفاوت بينهما علم وجدانى حضورى.