شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠ - الفصل الثانى فى حكمة خلق الارض و التدبر فى نحو وجودها و صفاتها و استقرارها فى وسط الكل و كثافتها و لونها الغبراء لتكون قابلة للانارة و الضياء
بالجبال و الوهاد بالسيول و الامواج للحكمة المذكورة من انكشاف مقدار من وجهها لتعيش الحيوان و حصول النبات، لكن بقى التضريس بحاله و ان خليت و طبعها، و الحكمة فى هذا ان طبيعتها كما اقتضت الاستدارة اقتضت يبوسة حافظة للشكل اى شكل[١] و هذا الاقتضاء لا ينافى الاقتضاء الاول بل يؤكده، و كان القاسر ازال شكلها الكرى و لم يزل يبوستها ففعلت اليبوسة فعلها و امسكت الشكل القسرى فبقى التضريس على حاله بعد زوال القسر أيضا حفظا طبيعيا.
و هذا أيضا من لطائف حكمة اللّه و آياته فى خلق الارض فكونها مما جعلت بارزة بعضها من الماء، مع ان طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها كما مر آية، و كونها مما لم تجعل فى غاية الصلابة كالحجر و لا فى غاية اللين و الانغمار كالماء ليمكن النوم و المشى عليها و امكنت الزراعة و اتخاذ الابنية منها و يتأتى حفر الآبار و اجراء الأنهار آية، و كونها لم تخلق فى نهاية الشفيف و اللطافة لتستقر عليها الانوار و يتسخن منها فيمكن جوارها آية، و كونها مما يتولد منها النبات و المعادن و الحيوان آية، و كونها مما يتخمر به الرطب فيحصل التماسك فى ابدان المركبات آية، و اختلاف بقاعها فى الرخاوة و الصلابة و غيرهما بحسب اختلاف الاغراض و الحاجات آية، وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ (الرعد- ٤) و اختلاف ألوانها آية، وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ (الفاطر- ٢٧) و انصداعها بالنبات آية، وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (الطارق- ١٢) و جذبها للماء المنزل من السماء آية، وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ (المؤمنون- ١٨) و اجراء العيون و الانهار العظام فيها آية، وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها* (الحجر- ١٥) و حياتها فى الربيع و موتها فى الشتاء آية، وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها (يس- ٣٣) و انبثاث الدواب المختلفة الانواع فيها آية، وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ* و انبات النباتات المتنوعة منها آية، وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ق- ٧).
فمنها قوت البشر و منها قوت البهائم كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ (طه- ٥٤) و منها
[١] و فى المخطوطة و المطبوعة: اى شكل كان.