شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - حجية العقل النظرى على الصعيد الفلسفى
بذاته.
و نقول من طريق اخر: ان اصول العقل الاولية اصول موضوعية بطبائعها، و لا شك ان القضايا العقلية كلها تنتهى الى تلك الاصول، اذن تكون تلك القضايا موضوعية أيضا، و على ضوء الاصول و القوانين الضرورية يتيسر للعقل ان يهتدى الى الكشف عن المجهولات اما بالاستقلال كما فى المسائل الميتافيزيقية و القضايا الرياضية المحضة او بمدد الحواس و التجارب و الاستقراءات كما فى مسائل العلوم الجزئية التجربية او الاستقرائية او بمعونة المشاهدات الوجودية و الكشوف الباطنية كما فى العلوم الاشراقية.
فالعقل يذهب حيث يذهب اصوله، فمتى سكنت سكن العقل عن التدليل و الاثبات، فوقوفه عن البرهنة فى مورد ما نتيجة عن تضيق ميدان الاصول عن شمول ذلك المورد، و اما اذا شملته الاصول فلا محصل و لا وجه لوقوفه عن الاثبات او عدم صحة حكمه فى التدليل.
و على هذا الضوء الّذي القى على ذهاب العقل نحو البرهنة يتبين وجه الخلل فى الفلسفة النقدية «الكانتية» التى قضت على العقل بالقصور و العجز عن تناول المسائل الميتافيزيقية، و ذلك لان مسائل الفلسفة الاولى من اعظم مجارى الاصول العقلية، فاذا كانت هى مجرى اصول العقل لم يكن وجه لقصوره عن تناولها، فانه يذهب حيث يذهب اصوله.
و يتضح مما ذكر وجه عدم حكم العقل فى التجريبيات المحضة بدون الاستعانة بالحواس و التجارب، فان اصوله التى نعرفه الآن لا تشمل المحسوسات الا بمدد الحواس، و لا تنطبق عليها الا من طريق التجارب و الاستقراءات، فما لم يملك العقل عددا من البينات الحسية لم يكن بامكانه تطبيق اصوله عليها.
نعم لو وجد العقل اصولا اخر غير ما نعرفه لامكنه تناول المحسوسات بلا معونة الحسن. و لا عجب من الناحية الفلسفية ان يحصل للعقل اصول و قواعد يمكنه على أضوائها كشف الحقائق التجريبية و الاستقرائية، و هذا ما نؤمن بامكانه عن طريق البرهان، لكن العقل البشرى العام لم يحصل بعد على هذه الاصول الا فى عدد محصورهم الرسل