شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٨٤ - الشرح
مجعولاته بريئة عن هذه الاجسام الكثيفة منزهة عن المكان و الجهة. و اللّه سبحانه و تعالى اشد علوا و براءة و تنزها عن الاحياز و الجهات من كل الجواهر المفردة المفارقة الذوات عن الاجسام و الجهات و الاحياز و الابعاد و الازمنة و الاوقات، فما هو كذلك فمناجاته بظاهر الشكل و الهيكل من امحل المحالات.
فاذا قوله ٦: المصلى مناج ربه، اراد بالمصلى العقل العارف و بالمناجاة عرفانه كلام اللّه و استماعه بالسمع العقلى لما القاه و ألهمه به كما روى عنه انه قال ٦: ان فى امتى محدثين مكلمين، فالقسم الباطنى الحقيقى و هو روح الصلاة و سره عبارة عن توجه وجه السر إليه تعالى و تضرع العقل العارف العالم بوحدانية الحق تعالى و بعظمته و جلاله و لطفه و جماله و كرمه و افضاله بالخشية و الخضوع و الهيبة و الخشوع.
فالذوات العاقلة و النفوس الكاملة يشاهدون الحق مشاهدة عقلية و يبصرون الا له بصيرة ربانية لا رؤية جسمانية و يسمعون كلامه بسمع قلبى لا بقرع اصوات و يفهمون منه الخطاب و يردون الجواب، و هم رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه يدعون ربهم خوفا و طمعا، و يلتمسون من إلههم فك الاسير و جبر الكسير و يستدعون من ربهم تكميل نفوسهم بمشاهدته و اتمام النور و السعادة بمعرفته و الامر العقلى و الفيض القدسى من عالم الاسماء و معدن القضاء الى حيز ذواتهم و منزل نفوسهم بهذه الصلاة و الذكر الحقيقى و التعبد العقلى، و من صلى هذه الصلاة خلص من عذاب حبس هذا الوجود الطبيعى و نجى من اسر هذه القوى الحيوانية و ارتقى الى المدارج العقلية و المعارج الربانية و إليه الاشارة بقوله عز و جل: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (العنكبوت- ٤٥).
فقد بان و تحقق لك ان الصلاة قسمان و علمت ان كل قسم منها على من يجب.
و ان القسمين جميعا يجب على العارف ما دام روحه فى الدنيا و ان الروحانى اشد وجوبا على روحه من الجسمانى على بدنه، و اذا ارتحل عن الدنيا و فارق المنزل الادنى لم يزل عنه الصلاة الاخرى بل انقلبت معرفته مشاهدة و صار علمه عينا و ذكره حضورا،