شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٥ - الشرح
و علمه بعد الجهل و خلق له الاعضاء و القوى و الآلات بما فيها من عجائب الخلقة و بدائع الفطرة بعد الفقد لها و اغناه بعد الفقر و هداه بعد الضلالة.
فانظر كيف دبره و صوره و الى السبيل كيف يسره و الى نعم اللّه عليه كيف نقله؟
فاللّه سبحانه نقله من تلك المذلة و القلة و الخسة و القذارة الى هذه الرفعة و الكرامة، ثم انظر الى طغيان الانسان ما اكفره و الى جهله بكيفية وجوده كيف اظهره اللّه فقال:
أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (يس- ٧٧)، و انما انعم و اكمل النعمة عليه و اعطاه هذه الاسباب و الآلات ليعرف ربه بالعظمة و الجلال و نفسه بالعبودية و الافتقار و انه لا يليق الكبرياء الا به تعالى.
فمن كان هذا بدء وجوده و هذه احوال نشأته الدنياوية فمن اين له البطر و الكبرياء و الفخر و الخيلاء؟ و هو على التحقيق اخس الاخساء و اضعف الضعفاء.
نعم! لو اكمله و فوض إليه امره و ادام له الوجود باختياره، فجاز ان يطغى و ينسى المبدأ و المنتهى، و لكن سلط عليه فى دوام وجوده الامراض الهائلة و الاسقام العظيمة و الافات المختلفة و الطبائع المتضادة، يهدم بعضه البعض شاء أم كره، اراد او سخط، فيجوع كرها و يعطش كرها و يمرض كرها و يموت كرها لا يملك نفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، فهو مضطر ذليل، فى جميع عمره عبد مملوك، لا يقدر على شيء من نفسه و غيره، و اى شيء اذل منه لو عرف نفسه و انى يليق الكبر به لو لا جهله. فهذا بيان اوسط احواله فليتأمل.
و اما آخره و مورده فهو الموت المشار إليه بقوله: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ، و معناه: انه يسلب روحه و سمعه و بصره و علمه و قدرته و حسه و حركته فيعود جمادا كما كان أولا، ثم يوضع فى التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان فى الاول نطفة مذرة[١]، ثم تبلى اعضاؤه و تنفتت اجزاؤه و تنخر عظامه فيصير رميما و رفاتا، و يأكل الدود اعضاؤه فيصير روثا فى اجواف الديدان، و جيفة يهرب منه الحيوان و يستقذره كل انسان و يهرب منه لشدة الانتان.
[١] المذر: الفاسد و الخبيث- امرأة مذرة: قذرة.