شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٦ - الشرح
كان اتصافه بهما على وجه اعلى و اشرف و كان باعتبار المظاهر و الآثار، و كذا نسبة الغضب إليه باعتبار ما يصدر عنه فى حق اعدائه.
اعلم: ان اللّه خلق الجنة و الراحة و النعمة و السعادة و الخير من رحمته و خلق النار و العذاب و النقمة و الشقاوة و الشر من غضبه، الا ان الرحمة ذاتية له و الغضب عارضى[١].
ثم اعلم: انه لما خلق الحيوان معرضا للفساد و الموتان باسباب من داخله و اسباب من خارجه، اما الداخلة فلتركبه من امور متضادة كالحرارة و الرطوبة فجعل بين الحرارة الغريزية و الرطوبة الغريزية عداوة و هى اوّل عداوة حدثت فى طينة الانسان، فلا يزال الحرارة تحلل الرطوبة و تبخرها و تجفها و تفنيها، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل و تبخر لبطل التركيب و انحل فى اسرع زمان، فخلق اللّه من رحمته الغذاء الموافق لبدن الحيوان و خلق أيضا شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به فى جبر ما انكسر و سد ما انثلم.
و اما الاسباب الخارجة التى يتعرض لها الانسان فكالسيف و السنان و سائر الاعداء و المهلكات فافتقر الى قوة حمية تثور من باطنه فيدفع المهلكات.
فخلق اللّه الغضب من النار و غرزه فى الانسان و خمره فى طينته فمهما قصد فى غرض من اغراضه و صده مانع عن ذلك اشتعلت نار الغضب من باطنه و ثارت ثورانا يغلى به دم القلب كغلى الحميم و ينتشر فى العروق و يرتفع الى اعالى البدن و الوجه، كما يرتفع الماء الّذي فى القدر، فلذلك يحمر الوجه و البشرة. و بالجملة فقوة الغضب محلها القلب و آلتها حرارة الدم و غليانه.
ثم الناس فى هذه القوة على درجات ثلاثة من الافراط و التفريط و الاعتدال و هو المحمود، و مهما اشتدت نار الغضب و قوى اضطرامها اعمى صاحبه و اصمه عن كل موعظة و ينطفى نور عقله و تنمحى فى الحال بدخان الغضب.
فان معدن الفكر الدماغ، فاذا تصاعد إليه من غليان دم القلب دخان مظلم يستولى على معادن الفكر و ربما يتعدى الى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى شيئا و يسود
[١] لان الرحمة هى الوجود و الغضب يحصل باعتبار عدم قابلية القابل لكمال.