شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٥ - الشرح
يسر له اسباب العلم و الهداية لسلوك سبيل الآخرة فاذن جنبه بعد البلوغ جهل محض، لانه ما نقص شيء من اسباب معيشته ببلوغه بل زاد، فانه لم يكن قادرا على الاكتساب و طلب الكمال و الآن فقد قدر عليه.
نعم كان المشفق عليه شخص واحد و هو الام او الأب و كانت شفقته مفرطة جدا بتسليط اللّه الشفقة على قلبه، فكذلك قد سلط اللّه الشفقة و الرحمة على قلوب المسلمين و اهل البلد كافة حتى ان كل واحد اذا اخبر بمحتاج تألم قلبه و رق عليه و انبعثت له داعية الى ازالة حاجته، فقد كان المشفق عليه واحدا و الآن صار الف مشفق و زيادة، نعم كانت شفقة الام اقوى و احسن و لكن كانت واحدة و شفقة الآحاد و ان ضعفت فيحصل من مجموعها ما يفيد الغرض، و لقد احسن الشاعر حيث قال:
|
جرى قلم القضاء بما يكون |
فسيان التحرك و السكون |
|
|
جنون منك ان تسعى لرزق |
و يرزق فى غشاوته الجنين |
|
فهذا تحقيق ماهية التوكل و تفاوت المقامات فيه علما و حالا و عملا، فاذا علمت حقيقة هذا الجند من جنود العقل و حزب الرحمن فقس عليه حال ضده الّذي هو جند الجهل و الشيطان، فالذى بإزاء العلم و الايمان بتوحيد اللّه و علمه التام و قدرته الكاملة هو الجهل و الشرك به تعالى، و الّذي بإزاء الحال الّذي هو الثقة باللّه الثقة بغيره كالنجوم و السلطان و حيلة النفس و المال و الجاه، و الّذي بإزاء العمل الّذي هو ترك السعى و التدبير هو شدة الكد و السعى و الاهتمام بجمع الاسباب و ادخار المال، و الاصل فى كل ذلك هو الجهل باللّه و رحمته و عنايته و تفرده بالملك و الملكوت.
قوله ٧: «و الرأفة و ضده الفسوة و الرحمة و ضدها الغضب».
هذان الجندان اعنى الرأفة و الرحمة متقاربان فى المعنى و كذا ضداهما اعنى القسوة و الغضب، و قد فسرت الاوليان برقة القلب، و كأن احداهما و هى الرحمة حال القلب المعنوى اعنى النفس و الاخرى و هى الرأفة حال القلب الجسمانى، فان للروح- و هو العقل- مظاهر و منازل كالنفس و البدن و كذا الغضب حال النفس و القسوة حال القلب الصنوبرى، و إذا وصف اللّه بالرأفة و الرحمة، فان من اسمائه الرءوف الرحيم