شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٣ - الشرح
يدى الغاسل لا يفارقه الا فى انه يرى نفسه ميتا بحركة القدرة الازلية كما يحرك يد الغاسل الميت، و هو الّذي قوى يقينه بانه مجرى الحركة و القدرة و سائر الاسباب و ان كلها يحدث عنه فيكون له عين الانتظار لما يجرى عليه المقادير.
فاذا علمت درجات الحال التى هى التوكل بمعنى الثقة و الاعتماد قوة و ضعفا و كمالا و نقصا فقس عليه ما يتفرع عليها من ترك الاهتمام و عدمه و قلة السعى و الاكتساب و ملابسة الاسباب و كثرتها.
فالمتوكلون فى مباشرة المكاسب و ملابسة الاسباب على مقامات:
اعلاها مقام الخواص و هو ان يدور المتوكل فى البوادى بغير زاد ثقة باللّه تعالى فى نفسه على الصبر اسبوعا و ما فوقه او تيسر حشيش له او قوة او قوت او بنية[١] على الرضاء بالموت ان لم يتيسر شيء من ذلك.
و اوسطها ان يقعد فى بيته او فى مسجده و لكنه فى القرى و الامصار، و ادناها ان يخرج و يكسب اكتسابا على وجه صحيح عند الشرع و العقل، و هذا السعى لا يخرجه عن مقامات التوكل اذا لم يكن طمأنينته الى كفايته و قوته او جاهه او بضاعته، فانه ربما يهلك اللّه جميعها فى لحظة، بل يكون نظره الى الكفيل الحق بحفظ ذلك و تيسير اسبابه، بل يرى كسبه و كفايته و بضاعته و قدرته بالإضافة الى قدرة اللّه كما يرى القلم فى يد الكاتب الموقع من جانب الملك، فلا يكون نظره و اعتماده و وثوقه بالقلم بل نظره الى قلب الملك، فهو ببدنه مكتسب و بقلبه عنه منقطع، بل هذا على هذا الوجه ان كان له عيال او متعلق من المساكين اشرف من حال القاعد فى بيته.
و قد قال ٦: الكاد لعياله كالمجاهد فى سبيل اللّه، كما ان المقام الاعلى فى التوكل يثمر ترك الدعاء و السؤال و ترك التدبير الا بحسب ما امر اللّه به من نحو قوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر- ٦٠)، فيدعو و يتضرع إليه و يكون ثقته باللّه لا بدعائه و تضرعه.
سأل بعض العرفاء عن التوكل فقال: انه ترك التدبير و قال: ان اللّه خلق الخلق و لم
[١] تثبيته« الاحياء».