شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٢ - المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
الموت. فثبت و تحقق ان من طلب الآخرة كانت له الدنيا و الآخرة جميعا، و من طلب الدنيا زيادة على ما هو المكتوب لم يكن له الدنيا و الآخرة.
فاذا تقرر هذان الاصلان ظهران العقلاء و هم الذين علموا و تيقنوا ما ذكرناه لا بد و ان يكونوا زاهدين فى الدنيا راغبين فى الآخرة، فهم السعداء فى النشأتين و الفائزون بالكرامتين، فعلم من ذلك ان بناء كل سعادة و سلامة و اصل كل راحة و نعمة على العقل كما نبه عليه بقوله ٧:
«يا هشام: من اراد الغناء بلا مال و راحة القلب من الحسد و السلامة فى الدين فليتضرع الى اللّه عز و جل فى مسألته بان يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه، استغنى، و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغناء ابدا».
توضيح ذلك بان من كمل عقله و قوى سره كان شغله باللّه و انسه مع اللّه و نعيمه بما يرد عليه من الانوار العقلية المبهجة و السكينات الالهية اللذيذة، فقنع من الدنيا بادنى شيء يقيم بدنه، و من نقص عقله و افلس باطنه عن العلم و المعرفة كان طالبا للغنى و النعمة من الخارجيات و الامور المادية الدنيوية، و لم يعلم ان الدنيا و لذاتها امور فانية و صور وهمية، كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (النور- ٣٩).
فهى مما لا يسمن و لا يغنى عن الحق شيئا اذ لا حقيقة فيها، فالعاقل يقنع منها بالكفاية و يستغنى بالحق من الخلق، و الجاهل لا يقنع بالكفاية اذ سدت عليه الطرق الا الى الدنيا لاحتجابه بها عن الحق و بالهوى عن الهدى فيريد ان يدرك الغناء بالدنيا و لم يدركه ابدا.
اذا تقرر هذا فصح ما امر به ٧ من الدعاء و التضرع إليه تعالى فى السؤال لتكميل العقل لمن اراد الغناء بلا مال و الراحة عن الحسد و السلامة فى الدين، و اتضح أيضا ما فرع عليه و على ضده.