شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١ - المشهد التاسع عشر فى لمية زهد العلماء فى الدنيا و الباعث لهم عليه
معرفتهم انه كشف على ضمائرهم حقائق الاشياء كما هى عليها فشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد انت المحسوسات بالبصر الظاهر، فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع و رواية كما هو شأن المقلد، و اللّه ولى الفضل و الهداية و هو مفيض العلم و الحكمة و النبوة.
قوله ٧: «يا هشام ان العقلاء زهدوا فى الدنيا و رغبوا فى الآخرة، لانهم علموا ان الدنيا طالبة مطلوبة و الآخرة طالبة و مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه، و من طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته».
توضيح هذا المرام و تبيين هذا الكلام بتحقيق امرين: احدهما ان رزق الدنيا و نصيب الانسان منها لا يتعلق بسعيه و كسبه بل هو مقدر مضمون يصل إليه سواء اختاره أولا، و سواء تعب و كد فى تحصيله أو لا، و لهذا قال تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ (الذاريات- ٢٢). و قالت الحكماء: ان الدنيا دار اتفاق و بخت بخلاف رزق الآخرة و نعيم الانسان او عذابه فيها، فانه يتعلق لا محالة بسعيه و كسبه ليس للانسان الا ما سعى، و ذلك لان كل ما يصل إليه فى الآخرة فهو صور اخلاقه و اعماله و تبعات صفاته و افعاله ليس بخارج عنه وارد عليه كما يستفاد من معرفة احوال الآخرة و احكامها حسب ما يعرفه العارفون و المكاشفون.
و ثانيهما: ان كلا من الدنيا و الآخرة طالبة لمن كان مطلوبه الاخرى بوجه دون وجه، فكل منهما طالبة حين كون الاخرى مطلوبة بوجه من الطلب فمن طلب الآخرة و سعى فى تحصيلها فله الآخرة لا محالة لقوله تعالى: وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (الاسراء- ١٩)، و مع ذلك طلبته الدنيا ليستوفى رزقها، لما مر ان الرزق المقدر يصل الى الانسان سواء طلبه او لا، و من طلب الدنيا و سعى لها سعيها الّذي لا فائدة فيه طلبته الآخرة لتستوى[١] اجلها. اذا لاجل أيضا كالرزق مكتوب فيأتيه الموت و عند ذلك يفسد دنياه لانقطاعها و يفسد آخرته، لان اكتسابها لا يمكن بعد
[١] كذا فى الاصل، و الظاهر: ليستوفى.