شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٠ - المشهد السادس عشر فى ان التفرد عن الناس و العزلة و الصبر عليها من علامات قوة العقل و كماله
مناجاة الخلق و الاشتغال باستكشاف اسرار اللّه فى خلق الدنيا و الآخرة و ملكوت السموات.
فان ذلك يستدعى فراغا و لا فراغ مع المخالطة فالعزلة وسيلة إليه، و لذلك كان رسول اللّه ٦ فى ابتداء امره يتبتل فى جبل حراء و ينعزل إليه حتى قوى فيه نور النبوة و كان الخلق لا يحجبه عن اللّه، فكان ببدنه مع الخلق و بقلبه مقبلا على اللّه تعالى.
قال ابو على بن سينا فى مقامات العارفين: العارف لا يحتمل الهمس[١] من الحفيف[٢] فضلا عن سائر الشواغل الخالجة، و ذلك فى اوقات[٣] انزعاجه بسره الى الحق، و اما عند الوصول فاما شغل له بالحق عن كل شيء و اما سعة للجانبين لسعة[٤] القوة، و كذلك عند الانصراف فى لباس الكرامة فهو أهشّ خلق اللّه بهجة[٥].
قال بعض الحكماء: انما يستوحش الانسان فى نفسه عند الوحدة لخلو ذاته عن الفضيلة فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس و يطرد الوحشة عن نفسه، و اما اذا كانت ذاته فاضلة فيطلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة و يستخرج العلم و الحكمة و يناجى ربه صاعدا بفكره إليه فيصير الحق جليسه كما حكى عنه تعالى من قوله: انا جليس من ذكرنى، و ليس المراد ذكر اللسان مع غفلة القلب و هو ظاهر، فالعارف بالحق استيناسه به ألفة بالوحدة معه و العزلة عن غيره لفضيلة نفسه و كمال عقله، و لذلك قيل: الاستيناس بالناس من علامة الافلاس.
و منها التخلص عن المعاصى بالعزلة، اذ لا يخلص عنها غالبا بالمخالطة، و هى كالغيبة و الرياء و السكوت عن الامر بالمعروف و النهى عن المنكر و مسارقة الطبع عن الاخلاق الردية و الاعمال الخبيثة التى يوجبها الحرص على الدنيا.
[١] العارف له احوال لا يحتمل فيها الهمس( الاشارات- النمط التاسع).
[٢] حفيف الفرس: دويه فى جريه.
[٣] و هى اوقات( الاشارات).
[٤] بسعة( الاشارات).
[٥] بهجته( الاشارات).