شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٧ - المشهد الخامس عشر فى بعض احوال العقلاء العارفين
فان من اشتهى الكلام فى مجمع الناس و العوام كالوعاظ و المذكرين فضلا عن اهل البطالة و هم[١] اكثر الناس فانه ابدا يجد فى تكلمه و وعظه و تأثر قلوب اهل المجلس به حلاوة و لذة لا يوازيها لذة، فاذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه الى كل كلام مزخرف يروج عند العوام و ان كان باطلا فى نفسه و نفر عن كل كلام يستثقله العوام و ان كان حكمة، فيصير مصروف الهمة بالكلية الى ما يحرك قلوب الناس و المستمعين ليعظم منزلته عندهم و فى قلوبهم.
فلا محالة ينمحى طرائف الحكمة عن قلبه، لان الّذي يؤثر فى قلوب الناس ليس الا ما فهموه و لا فهموا الا ما يناسبوه و هو ليس من هذا الجنس اصلا اذ لا يناسبوه.
و كذا الاشتغال باللذات و حب الشهوات من النساء و البنين و غيرهما يعمى القلب و يذهب بنور عبرته، لان حبك للشىء يعميك و يصمك عن ادراك غيره فحب الشهوات يطفئ نور الاستبصار و الاعتبار، فمن سلط هذه الخصال الثلاث التى بناء- الهوى و رسوخها عليها على تلك الثلاث التى بناء العقل و قوامه عليها فكأنما اعان الهوى و الطاغوت على هدم بناء عقله، و من هدم بناء عقله فقد افسد على نفسه دينه و دنياه، لان بناؤهما على العقل فمن لا عقل له لا دين له و لا دنيا.
اما انه لا دين له فظاهر و اما انه لا دنيا له فلان حقيقة الدنيا هى ان يكون معبرا و قنطرة يعبر بها الى الاخر كما دل عليه مفهوما الدنيا و الآخرة لانهما من باب المضاف، فالدنيا نشأتك القريبة الاولى التى انت فيها و الآخرة نشأتك الثانية التى تنتقل إليها.
فالمؤمن هو الّذي يعبر عن الدنيا بقلبه و يرغب فى الآخرة بروحه فيكون فى راحة عظيمة و نعمة جسيمة، و المنافق ابدا متعلق القلب بالدنيا لا ينتقل الى الآخرة الا بقهر ملك الموت و قمع بدنه و نفسه بقوامع من النار، فلم يزل متعلق القلب بها غير عابر عنها بروحه و اختياره بل بالكره و الاجبار و الاضطرار فيكون فى غصة و عذاب أليم و فرقة و فزع جسيم.
[١] اى اهل البطالة.