شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٥ - المشهد التاسع فى مدح القلة بمعنى ان الممدوح من الناس و هو العاقل عقلا بالفعل فى اصطلاح الحكمة، و المؤمن الحقيقى فى لسان الشريعة قليل
و لاجل ان الحكمة المعبر عنها بالايمان امر موهبى قال تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الجمعة- ٤)، و نبه على هذا المعنى فى كثير من المواضع، فاذن قد ظهر ان اهل الخير و الكمال قليل فى الدنيا و اهل الشر و النقص كثير.
و اما قوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فاختلفوا فى ذلك الرجل الّذي كان من آل فرعون فقيل: كان ابن عم له و كان جاريا مجرى ولى العهد و مجرى صاحب الشوكة و قيل: كان قبطيا من قوم فرعون و كان من اقاربه، و قيل: كان من بنى اسرائيل، و القول الاول اقرب لان لفظ الآل يقع على القرابة و العشيرة قال تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (القمر- ٣٤).
روى عن رسول اللّه ٦ بطريق الخاصة و العامة انه قال: الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن ال يس و مؤمن آل فرعون الّذي قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ (غافر- ٢٨)، و الثالث على بن ابى طالب ٧ و هو افضلهم.
و لفظ «من» يجوز ان يكون متعلقا بقوله: مؤمن، اى كان ذلك الرجل المؤمن شخصا من آل فرعون و يجوز ان يكون متعلقا بقوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ، اى يكتم ايمانه من آل فرعون و قيل: ان هذا غير جائز، لانه لا يقال كتمت من فلان كذا انما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (النساء- ٤٢).
و اما قوله تعالى: وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، فالمراد ما آمن مع نوح ٧ الا قليل و هم اصحاب السفينة الذين حملهم نوح ٧ معه فيها قيل: كانوا تسعة نوح ٧ و ثمانية ابنا له و زوجته و قيل: كانوا ثمانين مقاتلا فى ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت به، لان هؤلاء لما خرجوا من السفينة تبوءوها، و ذكروا ما هو ازيد و ما هو انقص و ذلك مما لا سبيل الى معرفته الا ان اللّه وصفهم بالقلة، و لعل المؤمن الحقيقى منهم بعضهم.
فان قيل: لما كان الذين آمنوا معه دخلوا فى السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما فى قوله: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (الشعراء- ٥٤)؟