شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٩ - تذكرة فيها تبصرة
احدها: ان المقصود من الامر بالمعروف و النهى عن المنكر ارشاد الغير الى ما فيه المصلحة و التحذير عما يوقعه فى المفسدة، و الاحسان الى النفس اولى من الاحسان الى الغير، فمن وعظ و لم يتعظ فكأنه اتى بفعل متناقض فلذلك قال: أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
و الثانى: ان من وعظ فلا بد ان يجتهد فى ان يصير وعظه نافذا فى القلوب، و الاقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ و اقدم على المعصية فقد اراد ان يجمع بين المتناقضين و هو غير واقع من العقلاء.
و الثالث: ان من وعظ و ظهر علمه للناس و لم يتعظ فيصير هذا داعيا لهم الى التهاون بالدين و الجرأة على المعصية، فاذا كان غرض الوعظ الزجر عن المعصية ثم اتى بفعل يوجب الجرأة عليها فكأنه جمع بين المتناقضين و ذلك ينافى افعال العقلاء فقال: أَ فَلا تَعْقِلُونَ. و قال ٧: قصم ظهرى رجلان: عالم متهتك و جاهل متنسك.
اعلم انه ذهب بعضهم الى ان ليس للعاصى ان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و احتجوا بالآية و المعقول، اما الآية فهذه و قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف- ٣). و اما المعقول فهو انه لو جاز ذلك لجاز لمن يزنى بامرأة ان ينكر عليها فى اثناء الزنا عن كشفها عن وجهها، و هو معلوم ان ذلك مستنكر.
الجواب: المكلف مأمور بشيئين: احدهما ترك المعصية و الثانى منع الغير عن فعلها، و الاخلال باحد التكليفين لا يقتضي الاخلال بالآخر.
و اما قوله: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ، فهو نهى عن الجمع بينهما و ذلك يتصور على وجهين: اما ان يكون النهى راجعا الى فعل احدهما و هو نسيان النفس مطلقا، او الى الاخر عند فعل الاول اعنى ترغيب الناس على البر حال نسيانه للنفس، و الاول هو المراد.
روى عنه ٦ انه قال: مررت ليلة اسرى بى على قوم تقرض شفاههم بالمقاريض من النار فقلت لجبرئيل يا اخى: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء خطباء من اهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر و ينسون انفسهم.