شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٣ - الفصل السادس فى قوله تعالى و بث فيها من كل دابة(البقرة - ١٦٤)
و قد نبهك اللّه فى مواضع من القرآن على كيفية خلقك و اطوار وجودك و نشأت نفسك لتتدبر و تتأمل فى نفسك و فى اطوارك و نشأتك لتعلم انك ستحشر و تبعث فى نشأت اخرى و تعود إليه تعالى، كما انك منه مبدأ وجودك و حدوثك على التدريج. و ذكر انك مخلوق من نطفة قذرة فقال: أ لم يك نطفة من منى يمنى؟ و قال:
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (عبس- ١٧- ٢٢).
و قال فى موضع اخر: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، (الروم- ٢٠) تنبيها على ان حال اوّل نشأته اخس من النطفة و هو التراب، ثم قال تنبيها على انه فى بداية امره كان ادنى من كل شيء حيث كان معدوما منسيا: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً، (الدهر- ١) فكان أولا ممكنا محضا او قوة استعدادية صرفة غير موجودة بالفعل كالهيولى و نحوها، و اوّل صورة كساها اللّه له و نشأة افادها اياه بعد صورة العنصرية هى صورة النطفة فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ (الدهر- ٢)، ثم جعل النطفة علقة و العلقة مضغة و المضغة لحما و اللحم ذا عظام و هكذا انشأه نشأة بعد نشأة و نقله فى اطوار الخلقة طورا فوق طور الى ان جعله خلقا اخر خارجا عن هذا العالم الجسمانى المشهود بهذا الحس.
و قد اشار الى هذا التدرج فى الوجود و التعرج من هذه الدار الى دار الشهود و المقام الموعود فى مواضع متعددة من القرآن مثل قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
ثم قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (المؤمنون- ١٢- ١٦)، اشارة الى اطوار النشأة الاخرى من حين الموت الى حين البعث، فان الموت ليس عبارة عن عدم الانسان بل عن بطلان قالبه، لخروج روحه منه قائمة بذاتها دون افتقارها بهذا البدن، فلها بعد هذه النشأة نشئات كثيرة فى القبر و البرزخ و عند العرض و