شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٢ - الفصل السادس فى قوله تعالى و بث فيها من كل دابة(البقرة - ١٦٤)
الخلقة و غرائب الصنعة الا حركتها الى الجهات سيما الفوق مع كمال ثقلها كالفيل يمشى الى فوق من غير تعلق بجسم آخر يحركه إليه و لا دعامة من تحت و لا حبل من فوق لكانت اعجب من كل عجيب، حيث ان الهمة و الإرادة و هى امر روحانى يحرك جسما ثقيلا الى فوق او يمسكه فى الجو كما فى الطير، فما ذلك الا بامر اللّه و حكمته و جعله الروحانيات واسطة فى ايجاد الجسمانيات و تحريكها و تدبيرها، قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ (الملك- ١٩).
و الانسان من جملة الحيوانات اعجب حكمة منها و اكثر دلالة على وجود خالقه و صانعه، لان فيه انموذج جميع ما فى العالمين الملك و الملكوت فكأنه نسخة مختصرة من كتاب اللّه الكبير، فان العالم كله كتاب كبير جامع لجميع المعلومات، و اللّه منشئه و مصنفة و مبدعه، و الانسان من حيث نشأته الظاهرة كتاب صغير منتخب من ذلك الكتاب، و اما بحسب نشأته الباطنة و من حيث كماله و احاطته بالمعلومات الكلية و الجزئية و ادراكه المداركات العقلية و الحسية فهو كتاب كبير كالعالم بل اكبر منه.
و قد نقل عن امير المؤمنين ٧ انه قال:
|
و انت الكتاب المبين الّذي |
بآياته يظهر المضمر |
|
|
و تزعم انك جرم صغير |
و فيك انطوى العالم الاكبر |
|
فالصورة الانسانية هى اعظم آيات اللّه و هى اكبر حجته على خلقه، لانه الكتاب الّذي كتبه بيده و هى المسجد الجامع الّذي بناه بحكمته و هى المختصرة من اللوح المحفوظ و هى الشاهدة على كل غائب و الحجة على كل جاحد و هى صراط اللّه المستقيم الممدود بين الجنة و الجحيم، فاقرب شيء أليك نفسك و فيك من العجائب الدالة على عظمة اللّه ما تنقضى الاعمار فى الوقوف على عشر عشيرها و انت غافل عنه طول عمرك.
فيا من هو غافل عن نفسه و جاهل به كيف يطمع فى معرفة ربه؟ و قد امرك اللّه بالتدبر و التأمل فى نفسك فى كتابه العزيز فقال: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (الذاريات- ٢١)، و قال نبيك ٦: من عرف نفسه فقد عرف ربه.