شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٨ - (مقدمة المؤلف)
فعلى هذا انقسمت النفوس على الاجمال الى ثلاثة اقسام: احدها الكاملون الراسخون فى العلم و النور، و ثانيها: الراسخون فى الكفر و الظلمة، الجاحدون للنور و الحق، و ثالثها: الناقصون فى الطرفين المترددون بين السعادة و الشقاوة، و الاولان معلوما العاقبة دون الثالث، كما يعلم من هذا الحديث.
«و قد قال العالم ٧: ان اللّه عز و جل خلق النبيين على النبوة فلا يكونون الا انبياء، و خلق الأوصياء على الوصية فلا يكونون الا اوصياء». و هم الراسخون فى العلم و الايمان، «و اعار قوما ايمانا فان شاء تممه لهم، و ان شاء سلبهم اياه، قال و فيهم جرى قوله: فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ (الانعام- ٩٨). و انما يعلم منه حال الطرف الاخر، اذ الشيء يعرف بضده، فيستفاد من حال الأنبياء و الأوصياء حال اضدادهم فكأنه قال ٧: ان اللّه خلق الفراعنة و من يليهم من الجاحدين على الكفر و الفساد و الاضلال، فلا يكونون إلا كفرة مفسدين، و هم الراسخون فى الكفر و الجهل، و اعار قوما الكفر، ان شاء تممه لهم و ان شاء سلبهم اياه.
و اعلم: ان تمام التحقيق فى هذا المقام يفتقر الى بسط فى الكلام و ان يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفة، و لعلنا نرجع إليه فى مستأنف الكلام عند تحقيق الخير و الشر و السعادة و الشقاوة و التوفيق و الخذلان و الجبر و القدر فى شرح الاحاديث الواردة فى هذه الابواب.
«و ذكرت: ان امورا قد اشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، و انك تعلم ان اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها و اسبابها». من الاغراض النفسانية و الدواعى الدنياوية لاقوام استولت عليهم محبة الجاه و الرئاسة، و استيفاء اللذات و الشهوات و التقرب الى الحكام و الولاة من اهل الجور، فوضعوا الاحاديث و حرفوا الكلم عن مواضعها كل قوم على وفق مقاصدهم و مآربهم، فلاجل هذه العلل و الاسباب الدنيوية و الامراض القلبيّة و الاسقام النفسانية اختلفت الروايات و تناقضت الاحاديث، و ذكرت «انك لا تجد بحضرتك». و فى جوارك و بلدك، «من تذاكره و تفاوضه ممن تثق بعلمه فيها». اى فى الرواية و تحقيق الامر فيها و رفع الاختلاف عنها.