شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٧ - (مقدمة المؤلف)
«سبب له اسباب الاستحسان و التقليد و التأويل من غير علم و بصيرة، فذاك فى المشية ان شاء تبارك و تعالى اتم ايمانه و ان شاء سلبه اياه، و لا يؤمن عليه ان يصبح مؤمنا و يمسى كافرا او يمسى مؤمنا و يصبح كافرا». كما وصف اللّه به المنافقين فى قوله:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (المنافقون- ٣) و قوله:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ... الآية (النساء- ١٣٧).
«انه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه، و كلما رأى شيئا استحسن ظاهره قبله».
لعدم بصيرته الباطنة و فقد نور القلب عنه فلا يدرك من الاشياء الا الظواهر المحسوسة و لا يستحسن من الانسان الا الاعمال البدنية، او عموم اعتراف الخلق له بالفضل و الامامة، و ان كان مع افلاس قلبه عن العلم و الحال، بل مع تلطخه بالجهالات و الظلمات و تدنسه بادناس الملكات المهلكات.
و اعلم: ان من هذا القبيل من يأخذ العلوم من الالفاظ المنقولة المؤولة و العمومات المخصصة فكان الضلال و الاضلال عليه اغلب ما لم يهتد بنور اللّه الى ادراك الامور على ما هى عليه كما فى قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور- ٤٠)، و قوله: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ* (الجمعة- ٤) و قوله: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (الاعراف- ١٧٨)، و قوله: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ* (الانعام- ٨٨)، و آيات كثيرة كلها تدل على ان الايمان نور ربانى قذفه اللّه فى قلب المؤمن بحسب ما قدره و قضاه.
و كذا مقابله من ظلمة الكفر و الجهالة، لكن لكل من الطرفين مراتب متفاوتة فى الكمال و القصور و الشدة و الضعف، فالكاملون فى النور و الهدى و القرب من اللّه هم الأنبياء ثم الأوصياء ثم الامثل فالامثل، و البالغون فى ظلمة الكفر و الضلال و البعد عن رحمة اللّه هم الفراعنة و الدجاجلة ثم ائمة الضلال و رؤساء الكفرة و المنافقين ثم الاشبه فالاشبه، فبين هذين الطرفين اوساط كثيرة لا تعد و لا تحصى، عددهم اكثر من عدد الاقوياء، و هم الكاملون فى نور البصيرة و قوة اليقين او البالغون فى ظلمة النفس و رسوخ الجهل.