ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨ - ١٢ - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة
و لما كان التخلص من دقائق الرياء و مخادع النفوس لا يكون في الغالب إلا بالفكرة و لا تتم الفكرة إلا بالعزلة، ذكرها فقال:
١٢- ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.
النفع: إيصال الفائدة، و القلب: القوة المستعدة لقبول العلم، و العزلة:
انفراد القلب باللّه، و قد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القالب عن الناس و هو المراد هنا إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا انفرد القالب. و ميدان بالفتح و الكسر في الميم مجال الخيل، استعير هنا للأفكار، إذ تردّدها في مواقعها كتردد الخيل في مجالها و الفكرة: سير القلب إلى حضرة الرب، و هي على قسمين:
- فكرة تصديق و إيمان.
- و فكرة شهود و عيان، على ما يأتي.
قلت: لا شيء أنفع للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة لأن العزلة كالحمية و الفكرة كالدواء، فلا ينفع الدواء من غير حمية، و لا فائدة في الحمية من غير دواء، فلا خير في عزلة لا فكرة فيها و لا نهوض لفكرة لا عزلة معها؛ إذ المقصود من العزلة هو تفرغ القلب، و المقصود من التفرغ هو جولان القلب و اشتغال الفكرة و المقصود من اشتغال الفكرة تحصيل العلم و تمكنه من القلب، و تمكين[١] العلم باللّه من القلب هو دواؤه و غاية صحته، و هو الذي سماه اللّه القلب السليم قال اللّه تعالى في شأن القيامة: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء ٨٨: ٨٩]، أي صحيح و قد قالوا: إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت، و لا ينفعها إلا الحمية، و هي قلة موادّها و منعها من كثرة الأخلاط.
[١] - في المطبوع: تمكن.