ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٨ - ١٣٨ - لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: ١٠٥]. تنبيه: سئل سيدي أحمد بن يوسف الملياني رضي اللّه تعالى عنه عن ذات الحق تعالى هل هى معنوية أو حسية؟ فقال: هي حسية لا تدرك، قال سيدي عبد اللّه الهبطي رضي اللّه تعالى عنه: و هذا مما يدل على تحقيق معرفته. قلت: ذات الحق تعالى موجودة لطيفة، لا تدركها الأبصار، و لا تكيفها العقول، متصفة بصفات المعاني و المعنوية، و لو كانت صفة أو معنى كما يزعمه النصارى لم تتصف بصفات المعاني و لا المعنوية، لأن الصفة و المعنى لا يقوم بنفسه و لا بد أن يقوم بغيره، و الصفة لا تتصف بصفة أخرى. و أما قول بعض المتأخرين: المعنى لا يقبض إلا بالحس، و قولهم أيضا: لا تنظر إلى الأواني، و خض بحر المعاني، و قولهم: الأكوان أواني، حاملة للمعاني، فاعلم أنه قد تقدم أنهم يطلقون على أسرار الذات و هي الخمرة الأزلية معاني لخفائها و لطافتها، فأشبهت المعاني من هذا الوجه، فتحصل أن الحس لا قيام له إلا بالمعنى و هي معاني أسرار الذات، فصار قيام الأشياء كلها باللّه و لا وجود لها معه، و هو الذي أشار إليه ابن الفارض بقوله:
|
و قامت بها الأشياء ثم لحكمة |
بها احتجبت عن كل من لا له فهم |
|
أي قامت الأشياء كلها بالذات العلية، أي بأسرارها اللطيفة الأزلية، و قولهم أيضا: الذات عين الصفات، و الصفات عين الذات، فاعلم أنه لما كان لا ظهور للذات إلا من أنوار الصفات، و لا قيام للصفات إلا بالذات، و الصفات لا تفارق الموصوف، صار كأن هذا عين هذا، فنطقوا بتلك العبارة تحويشا للجمع، و فرارا من الفرق، و هو اصطلاح منهم سموا ما تكثف، و ظهر للحس صفات، و ما بطن من سر الربوبية ذاتا و معنى، و الصفات لا تفارق الموصوف، كما تقول في الثلجة: ظاهرها ثلج و باطنها ماء، فالثلج صفات، و الماء ذات الثلج حس، و الماء معنى للطافته و خفائه، صار كأنه معنى. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير قوله تعالى: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، قال:
في كل شيء اسم من أسمائه، و اسم كل شيء من اسمه، فإنما أنت بين أسمائه و صفاته و أفعاله، باطنا بقدرته، ظاهرا بحكمته، ظهر بصفاته، و بطن بذاته، حجب الذات بالصفات، و حجب الصفات بالأفعال، و كشف العلم بالإرادة، و أظهر الإرادة بالحركات، و أخفى الصنع في الصنعة