ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٥ - لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات
أي فلو لا معاني ذاتكم تراها قلوبنا في مظاهر صفاتكم لمتنا عشقا، أو فلولا معاني ربوبيتكم تراها قلوبنا في مظاهر مكوناتكم، أو فلولا معاني الجبروت تراها قلوبنا في عالم الملكوت لمتنا أسى أي: حزنا على فراقكم و شوقا إلى لقائكم، و قوله: و لكن في المعنى معانيكم معنا أي: و لكن معانيكم التي تشاهدها قلوبنا في المعنى معنى عظيم فاستأنسنا بمشاهدتها و أنست أرواحنا بها، فلم تمت عشقا و شوقا و اللّه تعالى أعلم. و مما تستأنس به الروح عن صدمات المحبة اشتغالها بالخدمة كما أشار إلى ذلك بقوله:
[لما علم منك وجود الملل لوّن لك الطاعات].
قلت: من كرمه تعالى و حسن اختياره لك أيها العبد أنه لما علم أنك لا تقدر أن تصبر عنه أشهدك ما برز منه، و لما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا يقدر أن يشهده فيما برز منه أشغله بخدمته، و لما علم منه أنه ربما يمل من خدمة واحدة لون له طاعته؛ لأن من شأن النفس أن تمل من تكرر الشيء الواحد، و في ذلك يقول الشاعر:
|
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة |
إلا التّنقّل من حال إلى حال |
|
فلوّن لك طاعته، فإذا مللت من الصلاة مثلا انتقلت إلى ذكره، و إذا مللت من ذكره انتقلت إلى قراءة كتابه و هكذا، و أنواع الذكر كثيرة، و التنقل من موجبات النشاط؛ فالعبادة مع النشاط و لو قلّت أعظم من العبادة مع الكسل و إن كثرت ليس العبرة بكثرة الحس و إنما العبرة بوجود المعنى. و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: فلونت له الطاعة لثلاثة أوجه: أحدها: رحمة به ليستريح من لون إلى لون. الثاني: إقامة للحجة عليه؛ إذ لا عذر له في الترك.
الثالث: ليثبت له النسبة في العمل بوجود التخيير في الجملة فتكمل الكرامة و تسهل الطاعة. فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه: إذا وافق الحق