ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١١٣ - ٣٤ - اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك، لتكون لنداء الحق مجيبا، و من حضرته قريبا
حسي لكان لوجوده حاصرا إذ محال أن يستره من جميع الوجوه و لا يحصره، و كل حاصر لشيء فهو له قاهر، كيف، و اللّه تعالى يقول: وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: ١٨]، أي لأنهم في قبضته، و تحت تصريف قدرته، و تخصيص إرادته و مشيئته، و الفوقية عبارة عن رفعة الجلال و المكانة لا المكان كما يقال:
السلطان فوق الوزير، و السيد فوق عبده و المالك فوق المملوك و غير ذلك، مما يثبت الكبرياء و ينفي سمات الحدوث، و اللّه تعالى أعلم.
و لما كان حجاب الروح عن المعرفة أمرا وهميّا عدميّا لا حقيقة له، و هو مرضها بأوصاف البشرية، فلو صحت لعرفت أشار إلى ذلك بقوله:
٣٤- اخرج من أوصاف بشريّتك عن كلّ وصف مناقض لعبوديّتك، لتكون لنداء الحقّ مجيبا، و من حضرته قريبا.
قلت: أوصاف البشرية: هي الأخلاق التي تناقض خلوص العبودية، و مرجعها إلى أمرين: الأول: تعلق القلب بأخلاق البهائم و هي شهوة البطن و الفرج و ما يتبعهما من حب الدنيا و شهواتها الفانية قال اللّه تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ [آل عمران: ١٤].
الثاني: تخلّقه بأخلاق الشياطين كالكبر و الحسد و الحقد و الغضب و الحدة و هي القلق، و البطر و هو خفة العقل، و الأشر و هو التكبر، و حب الجاه و الرياسة و المدح و القسوة و العطاء و الفظاظة و الغلظة، و تعظيم الأغنياء، و احتقار الفقراء، و كخوف الفقر و هم الرزق و البخل و الشح و الرياء و العجب، و غير ذلك مما لا يحصى حتى قال بعضهم: للنفس من النقائص ما للّه من الكمالات.
و قد ألف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي كتابا في عيوب النفس و أدويتها، و نظمه الشيخ زروق في نحو ثمانمائة بيت.