ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٠ - ١١٤ - الغافل إذا أصبح نظر في ما ذا يفعل، و العاقل ينظر ما ذا يفعل الله به
و كقوله أيضا ٧: «اللهمّ إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، و لا أملك نفع ما أرجو، و أصبح الأمر بيد غيري، و أصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر منّي، اللهم لا تشمّت بي عدوي، و لا تسيء بي صديقي، و لا تجعل مصيبتي في ديني، و لا تجعل الدنيا أكبر همّي، و لا مبلغ علمي، و لا تسلّط عليّ من لا يرحمني[١]»، إلى غير ذلك من الأدعية التي تكسب الرضا و التسليم، و المقصود من دعائه صلى اللّه عليه و آله و سلم فهم معانيها لا مجرد ألفاظها، فالمراد المعاني لا الأواني، و اللّه تعالى أعلم. و يجمع هذه المعاني وصية شيخ طريقتنا القطب ابن مشيش للرجل الذي قال له وظف على وظائف و أورادا، فغضب و قال له:
أرسول أنا فأوجب الواجبات؟ الفرائض معلومة، و المعاصي مشهورة، فكن للفرائض حافظا، و للمعاصي رافضا، و احفظ قلبك من إرادة الدنيا و حب النساء، و من الجاه و إيثار الشهوات، و اقنع في ذلك كله بما قسم اللّه لك إذا خرج لك مخرج الرضا و هو جماله تعالى فكن للّه فيه شاكرا، و إذا خرج لك مخرج السخط و هو جلاله فكن عليه صابرا، و حب اللّه قطب تدور عليه الخيرات، و أصل جامع لجميع الكرامات. و حصن ذلك كله أربعة: صدق الورع، و حسن النية، و إخلاص العمل، و محبة العلم، و لا يتم ذلك إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح انتهى. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه:
احرص أن تصبح و تمسي مفوضا مستسلما لعله ينظر إليك فيرحمك انتهى. و قال بعضهم: من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه، و من اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى اللّه: أي من رأى الحق غاب عن نفسه، و من رأى نفسه حجب عن اللّه، ثم إن العاقل الذي ينظر ما يفعل اللّه هو العارف كما تقدم، لأنه هو الذي يتحقق فيه ذلك، و من علامته أنه لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء و فهمه عن اللّه في كل شيء، بخلاف غيره من العباد و الزهاد، و هو الذي أشار إليه بقوله:
[١] - رواه ابن أبي عاصم في الزهد( ١/ ٩٥).