ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨٧ - ١٢٣ - إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق فيك و نسب إليك
يلحقك بهؤلاء السادات هيأك لأنواع الطاعات، و خلق فيك القوة على فعل الخيرات، ثم نسب إليك ذلك الفعل فقال: يا عبدي فعلت كذا و كذا من الخير فأنا أجازيك عليه، ادخل الجنة برحمتي و ترق إلى مقامك بعملك، فمقامك حيث انتهى عملك. قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء: ٢٠]، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: ٢١]، و قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]. ثم ينبغي لك أيها الإنسان أن تتأدب مع الملك الديان، فلا تنسب إليه النقص و العصيان و إنما أغوتك نفسك و الشيطان، قال تعالى: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]، أي الشيطان، فما كان من الكمال فانسبه إلى الكبير المتعال، و ما كان من النقصان فامسحه في منديل النفس و الشيطان.
قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: إذا عمل العبد حسنة و قال يا رب بفضلك استعملت و أنت أعنت و أنت سهلت شكر اللّه ذلك له، و قال: يا عبدي بل أنت أطعت و أنت تقربت، و إذا نظر إلى نفسه، و قال أنا عملت، و أنا أطعت، و أنا تقربت أعرض اللّه عنه، و قال له: يا عبدي أنا وفقت و أنا أعنت و أنا سهلت، و إذا عمل سيئة و قال: يا رب أنت قدرت و أنت قضيت و أنت حكمت غضب المولى جلت قدرته عليه، و قال: يا عبدي بل أنت أسأت، و أنت جهلت، و أنت عصيت، و إذا قال: يا رب أنا ظلمت و أنا أسأت و أنا جهلت أقبل المولى جلت قدرته عليه، و قال: يا عبدي أنا قضيت و أنا قدرت و قد غفرت و قد حلمت و قد سترت انتهى.
ثم إن هذه النسبة التي نسب اللّه لعبده بما خلق فيه بها يستحق المدح و الذم، فإذا خلق فيه الطاعة و نسبها إليه استحق المدح بلسان الشرع، و إذا أجرى عليه المعصية و قضاها عليه استحق الذم بلسان الشرع أيضا، كما أشار إليه بقوله: