ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٢ - ١٣٧ - ما حجبك عن الله وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و لكن حجبك عنه توهم موجود معه
أصبحت صباحا قط إلا ظننت لا أمسي، و ما أمسيت قط إلا ظننت لا أصبح، و لا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها بأخرى، و كأني أنظر إلى وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا [الجاثية: ٢٨]، معها نبيها و أوثانها التي كانت تعبد من دون اللّه، و كأني أنظر إلى عقوبة أهل النار و ثواب أهل الجنة، فقال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «عرفت فالزم[١]». فهذان الرجلان الأنصاريان أشرف نور الإيقان في قلوبهما، و شرح اللّه به صدورهم[٢] فرأيا ما كان آجلا عاجلا، و ما كان آتيا واصلا. و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر و انفسح»، قيل: يا رسول اللّه هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود، و الاستعداد للموت قبل نزوله[٣]»، أو كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم. و قال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه اللّه: اليقين نور يجعله اللّه في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته، و يخرق به كل حجاب بينه و بينها حتى يطالع الآخرة كالمشاهد لها، انتهى. قلت: فإذا تكامل إشراق نور الإيقان غطى وجود الأكوان، و وقع العيان على فقد الأعيان، و لم يبق إلا نور الملك الديان، كما أشار إلى ذلك بقوله:
١٣٧- ما حجبك عن اللّه وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و لكن حجبك عنه توهّم موجود معه.
قلت: الحق تعالى ظاهر، و نوره للبصائر باهر، و إنما حجبه مقتضى اسمه الحكيم و اسمه القاهر، فما حجبك عن شهود الحق وجود شيء معه: أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٦٣]، و لكن حجبك عن شهوده توهم وجود موجود معه، و لا شيء معه، و كما كان و لا شيء، بقي و لا شيء: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ
[١] - رواه القضاعي في الشهاب( ٢/ ١٢٧)، و أبو نعيم( ١/ ٢٤٢)، و العقيلي( ٢/ ٢٩١).
[٢] - كذا بالأصول، و لعلها: صدورهما.
[٣] - رواه البيهقي في الزهد الكبير( ٢/ ٣٥٦).