ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٣ - ٦٦ - من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد، و أوجب البعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد و قد تقام مقام البعد و أنت لا تدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد
على اللّه، فإذا أعرضوا عنه وردوا عليه قوله بسط عليهم النعم الحسية حتى إذا اطمأنوا و فرحوا بها دمرهم اللّه و أخذهم بغتة، ليكون ذلك أشد في العقوبة، قال الشاعر:
|
و أعظم شيء حين يفجؤك البغت |
و قال تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]، فالواجب على الإنسان إذا أحس بنعمة ظاهرة أو باطنة حسية أو معنوية أن يعرف حقها، و يبادر إلى شكرها نطقا و اعتقادا و عملا، فالنطق الحمد و الشكر باللسان، و الاعتقاد شهود المنعم في النعمة و إسنادها إليه، و الغيبة عن الواسطة بالقلب مع شكرها باللسان، «من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه[١]»، «أشكركم للّه أشكركم للنّاس[٢]»، فإذا قال له: جزاك اللّه خيرا فقد أدى شكرها، و الشكر بالعمل صرفها في طاعة اللّه كما تقدم، فإن لم يقم بهذا الواجب خيف عليه السلب، و الاستدراج و هو أقبح. و الحاصل: أن الشكر هو الأدب مع المنعم، و من جاءت على يديه، فإن أساء الأدب أدّب، و قد يؤدّب في الباطن و هو لا يشعر، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٦٦- من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخّر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الأمداد، و أوجب البعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد. و قد تقام مقام البعد و أنت لا تدري، و لو لم يكن إلا أن يخلّيك و ما تريد.
قلت: من الأمور المؤكدة على المريد الصادق أن يرعى الأدب مع اللّه في كل شيء، و يلتزم التعظيم لكل شيء، و يحفظ الحرمة في كل شيء، فإن أخلّ بشيء من هذه الأمور و أساء الأدب مع ربه فليبادر بالتوبة و الاعتذار مع الذلة
[١] - رواه البخاري في الكنى( ١/ ٥١)، و الترمذي( ٤/ ٣٣٩)، و أحمد في مسنده( ٣/ ٣٢).
[٢] - رواه البيهقي في شعب الإيمان( ٦/ ٥١٧).