ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٠ - ٤٣ - لا تصحب من لا ينهضك حاله، و لا يدلك على الله مقاله
الباب الخامس
و لما كان السفر لا بد فيه من دليل و إلا ضل عن سواء السبيل افتتح الباب الخامس بذكر الصحبة و شروط المصحوب و آدابها فقال:
٤٣- لا تصحب من لا ينهضك حاله، و لا يدلّك على اللّه مقاله.
قلت: الذي ينهضك حاله هو الذي إذا رأيته ذكرت اللّه، فقد كنت في حال الغفلة فلما رأيته نهض حالك إلى اليقظة، أو كنت في حالة الرغبة فلما رأيته نهض حالك إلى الزهد، أو كنت في حالة الاشتغال بالمعصية فلما رأيته نهض حالك إلى التوبة، أو كنت في حالة الجهل بمولاك فنهضت إلى معرفة من تولاك و هكذا، و الذي يدلك على اللّه مقاله هو الذي يتكلم باللّه، و يدل على اللّه و يغيب عما سواه، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب، و إذا سكت أنهضك حاله إلى علّام الغيوب، فحاله يصدق مقاله و مقاله موافق لعلمه، فصحبة مثل هذا إكسير يقلب الأعيان، و هو مفهوم من قول الشيخ: لا تصحب من لا ينهضك حاله إلخ. أي بل اصحب من ينهضك حاله، و يدلك على اللّه مقاله و الصحبة في طريق التصوف أمر كبير في السير إلى اللّه تعالى حسبما جرت به عادة اللّه تعالى و حكمته حتى قال بعضهم: من لا شيخ له فالشيطان شيخه. و قال آخر:
الإنسان كالشجرة النابتة في الخلاء، فإن لم تقطع و تلقم كانت دكارة. و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: كل من لا شيخ له في هذا الشأن لا يفرح به، و من شروط الشيخ أربعة: علم صحيح، و ذوق صريح، و همة عالية، و حالة مرضية. فالعلم الصحيح هو ما يتقن به فرضه، و لا بد أن يكون عالما بالمقامات و المنازل التي يقطعها المريد و بغرور النفس و مكائدها، قد سلك ذلك على يد شيخ كامل، و ذاق ذلك ذوقا لا تقليدا، و هو المراد بالذوق الصريح، و الهمة العالية هي المتعلقة باللّه دون ما سواه، و الحالة المرضية هي الاستقامة بقدر