ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٠٤ - ١٣٢ - أنت إلى حمله إذا أطعته أحوج منك إليه إذا عصيته
افتقارنا إلى علمه و عفوه في حال الطاعة أعظم من افتقارنا إليه في حال المعصية، كما أبان ذلك بقوله:
١٣٢- أنت إلى حمله إذا أطعته أحوج منك إليه إذا عصيته.
قلت: و ذلك لأن الطاعة بساط العز و الرفعة، و للنفس فيها شهوة و متعة، و لأن الناس يلحظون صاحب الطاعة الظاهرة، و ينظرونه بعين التعظيم، و يبادرون إليه بالخدمة و التكريم، و كل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق، إن كان يفرح بذلك و يقنع به دون الملك الحق، بخلاف المعصية فإنما هي بساط الذل و الانكسار، و محل السقوط و الاحتقار، و كل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق، فكان العبد في حال طاعته لربه أحوج إلى حلمه و عفوه منه في حال معصيته، لأن الطاعة التي ينشأ عنها العز و الاستكبار أقبح من المعصية التي تورث الذل و الافتقار، بل في الحقيقة ليست بطاعة، لأن الطاعة التي توجب البعد ليست بطاعة، و المعصية التي توجب القرب ليست بمعصية. و في الحديث:
«يقول اللّه تبارك و تعالى: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي[١]»، و من كان اللّه عنده فهو أعظم من ألف مطيع توجب له طاعته طرده و بعده. أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء :: «قل لعبادي الصّدّيقين لا يغترّوا، فإنّي إن أقم عليهم عدلي و قسطي أعذّبهم غير ظالم لهم، و قل لعبادي الخاطئين لا ييأسوا من رحمتي، فإنّه لا يكبر عليّ ذنب أغفره[٢]» انتهى. و قال الشيخ أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه: توبة المعصية واحدة، و توبة الطاعة ألف توبة؛ و كان صلى اللّه عليه و آله و سلم إذا صلى استغفر ثلاثا تعليما للأمة في شهود التقصير، و إلا فلا استغفار من طاعة، و لا ذنب على المختار صلى اللّه عليه و آله و سلم.
[١] - رواه أحمد في جامع العلوم و الحكم( ١/ ١٩٨)، و ذكره العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ٢٣٤)، و المناوي في فيض القدير( ١/ ٥١٩).
[٢] - رواه أبو نعيم في الحلية( ٣/ ٤٨)، و الديلمي في الفردوس( ١/ ١٤٥).