ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤١٩ - ٢٠٧ - لا تستبطىء النوال، و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال
معروفه، و صار كل ما يبرز من عند مولاه تلقاه بالقبول، فإن طال بالمريد السفر، و تأخر عنه الفتح و الظفر، فلم يدرك هذه الأسرار، و لم يكشف له عن تلك الأنوار، فلا يستبطئ من ربه النوال، فإنه جوّاد كريم، و لكن يستبطئ منه وجود الإقبال، و إلى ذلك أشار بقوله:
٢٠٧- لا تستبطىء النّوال، و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال.
قلت: الحق سبحانه جوّاد كريم حليم رحيم: «من تقرّب إليه شبرا تقرّب منه ذراعا، و من تقرّب منه ذراعا تقرّب منه باعا، و من أتاه يمشي أتاه هرولة[١]»، كما في الحديث، فإن توجهت إليه بقلبك ثم تأخر الفتح من قبله فلا تستبطىء منه النوال: أي العطاء، و هو كشف الحجاب، و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال، فلعل إقبالك عليه لم يكن بكليتك، فإن اللّه سبحانه يقول بلسان الحال: «و ليس يدرك وصالي كل من فيه بقية، أو كان بحرف أو خط»، و أما لو زالت أغيارك لأشرقت أنوارك، و لو تطهرت من جنابة الغفلة لاستحققت الدخول إلى مسجد الحضرة، و قد يكمل إقبالك و يفوتك الأدب مع سيدك، و هو استبطاؤك النوال، و لو صح منك الإقبال». قال بعضهم: هب أن السيد الكريم أهل لكل فضل و كرم، أفترى العبد يقلل الأدب بين يدي سيده، و يكشف جلباب الحياء عن وجهه؟ فإن فعل ذلك فهو بالعقوبة أولى من الكرم، و قد قال أرباب المعرفة: لأن تكون صاحب استقامة خير من أن تكون صاحب كرامة انتهى، و من باع نفسه للّه و كان عبدا مملوكا لمولاه، فأي شيء يستحق على مولاه؟.
حكي عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه: أنه رأى رجلا قد اشترى دارا و أراد أن يكتب عقدها، فقال له ذو النون: يا أخي إن قبلت وصيتي أوصيتك، فقال: نعم، قل يا سيدي، فقال له: لا تشتر دارا تفنى و تدع دارا تبقى، فقال له: من لي بها؟ فقال: هلا اشتريت من اللّه دارا دار السلام، و مجاورة الكرام، لتنال فيها الأمان، و تتنعم بنعيم لا يدرك بالأثمان؟ دار لها أربع حدود: الأول: منازل الخائفين، الثاني: منازل العارفين، و الثالث: منازل المشتاقين،
[١] - تقدم تخريجه.