ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٣ - ٢١٥ - الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، و بعد الوعي يكون البيان فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه القيامة ١٨
|
فثمّ وراء النّقل علم يدقّ عن |
مدارك غايات العقول السّليمة |
|
|
تلقّيته مني و عني أخذته |
و نفسي كانت من عطائي ممدّتي |
|
و كان الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه إذا استغرق في الكلام و فاضت عليه العلوم يقول: هلا رجل يقيد عنا هذه الأسرار، هلموا إلى رجل صيره اللّه بحر العلوم، أو كلاما نحوه، و كان يحضر مجلسه أكابر وقته كعز الدين بن عبد السلام و ابن الحاجب و ابن عصفور و ابن دقيق العيد و عبد العظيم المنذري، و كان عز الدين بن عبد السلام إذا سمع كلامه يقول:
هذا كلام قريب عهد باللّه، و كان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول: و اللّه ما رأيت أعرف باللّه من أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه. و كان في كل سنة يطلع إلى القاهرة، و يجتمع عليه مشايخ القاهرة و مصر و من بتلك الناحية، فيفيض عليهم بالعلوم و المواهب الربانية و الأسرار اللدنية، فلما مات رضي اللّه تعالى عنه و استخلفه أبو العباس المرسي جعل يطلع إلى القاهرة كما كان يفعل شيخه، فاجتمع إليه جماعة من أكابر مصر و علمائها، و قالوا: يا شيخ كان الشيخ أبو الحسن إذا جاء إلى هذا الموضع يجيء عندنا، و نتبرك بقدومه، و ما نسمع منه من مواهب اللّه تعالى، و أنت قد أقامك اللّه مقامه، فنحب أن نتبرك بكلامك، فقال لهم: إذا كان صبيحة غد نجىء إليكم إن شاء اللّه، فلما كان صبيحة غد أمر أصحابه بالمسير إلى مصر و أمر بحمل رسالة القشيري رضي اللّه تعالى عنه. قال ابن الصباغ: فحملتها و وصلنا إلى جامع عمرو بن العاص فوجدناه قد امتلأ بأكابر أهل مصر و علمائها، فقال لي: منتقد و معتقد. قال: فجلسنا بشرقي الجامع، فقال: اخرج رسالة القشيري، فأخرجتها فقال: اقرأ فقلت: و ما اقرأ؟ قال: الذي يظهر لك، ففتحنا الكتاب، فوجدنا باب الفراسة، فقرأت أول الباب، فلما فرغت من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال لي: اغلق الكتاب، ثم قال: الفراسة تنقسم إلى أربعة أقسام: فراسة المؤمنين، و فراسة الموقنين، و فراسة الأولياء، و فراسة الصديقين، فأما فراسة المؤمنين فحالها كذا، و مددها من كذا، ثم تكلم بكلام عظيم، ثم انتقل إلى فراسة الموقنين، فتكلم بطبقة أعلى، ثم قال: و أما فراسة الأولياء فمددها من كذا، و حالها من كذا، و تكلم في ذلك بكلام موهوب غير مكسوب أذهل عقول الحاضرين